رحلت جدتي زهراء البناوي … فاختفى صوت الحكايات وانطفأت “لمّة” الجمعة

بقلم : علي المفتاح
في لحظةٍ لا تُشبه سواها، لحظةٍ يقف فيها القلم مترددًا بين أن يكتب خبرًا أو يبكي حكاية، أجدني اليوم لا أكتب كصحفيٍ يسرد حدثًا، بل كحفيدٍ يودّع جزءًا من روحه…
فقد ودّعت أسرتنا يوم الأحد 17 شوال 1447هـ الموافق 5 أبريل 2026م، جدتي الحاجة زهراء كاظم البناوي، التي لم تكن مجرد اسمٍ في سجل الحياة، بل كانت حياةً كاملة سكنت في تفاصيلنا، وامتدت فينا أثرًا لا يزول.
كانت جدتي – رحمها الله – أكثر من جدة…
كانت ذاكرة بيت، ودفء عائلة، وملامح زمنٍ جميل لا يتكرر. كانت هي “اللمّة” حين تكتمل، وهي الغياب حين ينكسر الجمع. لم نكن نذهب إليها فقط، بل كنا نعود إلى أنفسنا عندها، وكأنها كانت تعيد ترتيب أرواحنا كلما بعثرتنا الحياة.
في طفولتي، لم تكن علاقتي بها عادية…
كنت أرافقها إلى المجالس الدينية، أجلس بجانبها، أراقب تفاصيل حضورها، وأتعلم بصمت كيف تكون الطمأنينة في الإيمان، وكيف تكون السكينة في القرب من الله. كانت تلك اللحظات، رغم بساطتها، تزرع في داخلي شيئًا لا يُرى، لكنه يكبر مع العمر، ويثبت مع الأيام.
وفي لياليها، كانت الحكايات تولد…
لم تكن تحكي لمجرد السرد، بل كانت تبني عوالم كاملة من قصص الأولين، والروايات التي تحمل عبرًا، و”الحزازير” التي تملأ المكان ضحكًا ودهشة. كنا نجلس حولها لا لنسمع فقط، بل لنعيش… نعيش تلك القصص وكأنها تحدث أمامنا، ونحملها معنا كجزءٍ من ذاكرتنا التي لا تشيخ.
أما يوم الجمعة… فكان له معنى آخر.
كان يومًا يشبهها… دافئًا، عامرًا، مليئًا بالحياة.
كانت تجمعنا مائدة واحدة، لا يجمعها الطعام فقط، بل يجمعها الحب. كانت تعدّ الغداء بيديها، بمساعدة نساء العائلة، وكأن كل طبق يحمل جزءًا من قلبها. لم يكن الطعام مجرد وجبة، بل كان طقسًا عائليًا ننتظره، نلتقي فيه، نضحك، ونتقاسم تفاصيل الأسبوع، بينما هي تراقبنا بعينٍ راضية، وكأن سعادتها الحقيقية كانت في رؤيتنا مجتمعين.
وكان لي معها طعمٌ خاص لا يشبه غيره…
كانت تطهو لي طبقًا مميزًا تُتقنه وحدها، “صالونة سمك كرورو”، ذلك الطبق الذي لم يكن مجرد وجبة، بل ذكرى تُقدَّم.
ورغم أنني تذوقت هذا الطبق لاحقًا في مطاعم كثيرة، وعلى أيدي طباخين كُثر، وحتى في محاولات منزلية متعددة… إلا أن طعمه لم يكن يومًا كما كان عندها.
كانت جدتي تتميز به، وكأنها تضع فيه شيئًا لا يُكتب في وصفات، بل يُزرع في القلب.
وفي الأعياد، كانت الحكاية مختلفة…
كان الجميع يأتون إليها في المساء، يحيطون بها بمحبتهم، وتزدحم لحظات الفرح حولها كما اعتدنا دائمًا.
أما أنا، فكان لي معها موعد لا يعرفه سواي…
كنت أذهب إليها مع أول خيوط الفجر، وهي لا تزال نائمة، أحمل شوقي قبل تهنئتي، لأكون أول من يعايدها، وأول من تمتد إليه يدها بالعطية. كانت تلك اللحظة بالنسبة لي أكبر من “عيدية”… كانت شعورًا خالصًا بالقرب، وعلاقةً لا تُشرح، بل تُحس.
كانت جدتي تصنع التفاصيل…
والتفاصيل هي التي تصنع الحياة.
لم تكن مواقفها صاخبة، ولم تكن كلماتها كثيرة، لكنها كانت عميقة، صادقة، تبقى في القلب حتى بعد أن يغيب الصوت، وحتى بعد أن يرحل الجسد.
برحيلها، لا نفقد شخصًا فقط…
نفقد زمنًا كاملًا، نفقد طقوسًا، وضحكات، وأصواتًا كانت تشكّل ملامح أيامنا. نفقد ذلك الشعور الذي لا يمكن تعويضه، شعور أن هناك من ينتظرك دائمًا، ويفتح لك قلبه قبل بابه.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأجمل…
أن من يزرع الحب لا يرحل.
يبقى في دعوةٍ صادقة، في ذكرى تُستعاد، في عادةٍ نحافظ عليها، وفي حكايةٍ نرويها لمن بعدنا.
رحم الله جدتي زهراء كاظم البناوي، وجعل كل مجلسٍ حضرتْه، وكل قصةٍ روتها، وكل قلبٍ أدخلت فيه الفرح، شاهدًا لها ، وجعل ذكراها نورًا لا ينطفئ فينا.
{إنا لله وإنا إليه راجعون}



