«الإعلامي»… عندما أصبح اللقب بلا هوية

بقلم ابراهيم بوعبيد
لم تعد صفة “إعلامي” اليوم كما كانت قبل سنوات طويلة. فقد كان هذا اللقب يُكتسب بعد رحلة مهنية شاقة، مليئة بالتدريب والخبرة والعمل الميداني، بينما أصبح اليوم يُضاف إلى الأسماء في منصات التواصل الاجتماعي بضغطة زر، حتى بات من الصعب على المتلقي التمييز بين الإعلامي الحقيقي وصانع المحتوى أو المشهور.
في الماضي، كان الإعلام مؤسسة متكاملة، تبدأ من المحرر، وتمر بالمراسل والمصور والمذيع، وتنتهي برئيس التحرير. وكانت الكلمة قبل أن تُنشر تخضع للمراجعة والتدقيق والتحقق، لأن الخطأ لم يكن مجرد هفوة، بل مسؤولية مهنية وأخلاقية قد تسيء إلى مؤسسة إعلامية بأكملها.
أما الإعلامي، فلم يكن يمثل نفسه فقط، بل كان يمثل صحيفة أو قناة أو إذاعة تحمل تاريخًا ومصداقية، ولذلك كانت الثقة تُبنى على المهنية، لا على عدد الجماهير.
لكن مع الثورة الرقمية، انقلب المشهد رأسًا على عقب. فقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع حق صناعة المحتوى والوصول إلى الجمهور، وهو تحول إيجابي في جانب كبير منه، لأنه أتاح الفرصة لظهور مواهب جديدة وأصوات لم تكن تجد مساحة في الإعلام التقليدي.
غير أن هذه الحرية أفرزت ظاهرة جديدة، وهي التوسع في استخدام لقب “إعلامي” دون معايير واضحة.
اليوم، يكفي أن يمتلك شخص مئات الآلاف أو ملايين المتابعين، حتى يصفه البعض بالإعلامي، أو يضع هو بنفسه هذا اللقب في التعريف الشخصي لحسابه، رغم أن محتواه قد يكون ترفيهيًا، أو يوميات شخصية، أو إعلانات تجارية، أو مقاطع عفوية لا تمت بصلة إلى العمل الإعلامي بمفهومه المهني.
وهنا تكمن المشكلة.
فالإعلام ليس عددًا من المتابعين، ولا عددًا من المشاهدات، ولا حجم الانتشار، وإنما رسالة ومسؤولية. الإعلام يقوم على جمع المعلومات، والتحقق منها، وعرضها بموضوعية، واحترام أخلاقيات المهنة، وتحمل المسؤولية أمام المجتمع والأنظمة. أما الشهرة، فهي حالة جماهيرية قد تتحقق لأي شخص يمتلك محتوى يجذب الناس، بغض النظر عن طبيعة ذلك المحتوى.
إن الخلط بين الإعلام والشهرة أوجد مفاهيم غير دقيقة داخل المجتمع، حتى أصبح البعض يعتقد أن الشهرة وحدها تكفي لمنح صاحبها صفة الإعلامي، بينما الحقيقة أن الإعلام مهنة، تمامًا كما أن الطب والهندسة والقضاء والتعليم مهن لا تُكتسب بمجرد الممارسة العابرة.
وهذا لا يعني التقليل من قيمة صناع المحتوى أو المؤثرين، فالكثير منهم يقدم أعمالًا راقية، ومحتوى تثقيفيًا أو توعويًا أو اجتماعيًا يستحق الإشادة، بل إن بعضهم تفوق في التأثير على وسائل إعلام تقليدية. لكن التأثير شيء، والانتماء إلى المهنة شيء آخر.
فالصحفي يبقى صحفيًا لأنه يمارس الصحافة وفق أصولها، والمذيع يبقى مذيعًا لأنه يعمل وفق معايير الإعلام، بينما يبقى صانع المحتوى صانع محتوى مهما بلغ تأثيره، إلا إذا انتقل فعلًا إلى ممارسة العمل الإعلامي وفق أصوله المهنية.
ولا شك أن الإعلام نفسه تغير، وأصبح الإعلامي يستخدم المنصات الرقمية، ويبث عبر الهاتف، وينشر في وسائل التواصل، لكن الوسيلة تغيرت، بينما بقيت المبادئ ثابتة: المصداقية، والدقة، والأمانة، والمسؤولية.
إن أخطر ما قد يحدث لأي مهنة هو ضياع حدودها وتعريفها. فعندما يصبح كل مشهور إعلاميًا، وكل صاحب هاتف صحفيًا، وكل ناشر أخبار مراسلًا، فإن المجتمع يفقد القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والشائعة، وبين الرسالة المهنية والمحتوى العابر.
وربما آن الأوان لأن نعيد الاعتبار للمصطلحات، فلا نسلب صانع المحتوى حقه، ولا ننتقص من دور المؤثر، لكن في المقابل لا نفرغ كلمة “إعلامي” من قيمتها التي صنعتها سنوات طويلة من العمل والالتزام.
فالشهرة قد تتحقق خلال أيام، وقد تصنعها خوارزميات المنصات، أما الإعلام الحقيقي فلا تصنعه الخوارزميات، بل تصنعه الخبرة، والمصداقية، والثقة، والالتزام برسالة لا تزال، رغم كل المتغيرات، واحدة من أهم الرسائل في بناء وعي المجتمعات.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتأمله جميعًا: هل نحن أمام تطور في مفهوم الإعلام، أم أمام اتساع في استخدام لقب لم يعد يعكس معناه الحقيقي؟
أرى أن هذا المقال أقرب إلى مستوى النشر في الصحف، لأنه يطرح القضية من منظور مهني، ويترك للقارئ مساحة للتفكير دون مهاجمة فئة معينة أو التقليل من دور صناع المحتوى.



