من يربح من اليوم الوطني؟

بقلم : علي حسن المفتاح
في الأيام التي تسبق اليوم الوطني السعودي، يمكن للمرء أن يقرأ المناسبة من زاوية مختلفة تمامًا عن تلك التي تظهر في الشوارع والشاشات. فبينما ينشغل الناس باختيار مكان الاحتفال، وشراء الهدايا، وتجهيز الملابس والأعلام، هناك آخرون ينظرون إلى 23 سبتمبر باعتباره موعدًا مهمًا في رزنامة العمل؛ صاحب مطعم يراجع قائمته، ومقهى يجهز عرضًا جديدًا، ومطبعة تستقبل طلبات الأعلام واللوحات، ومصمم يعمل حتى ساعات متأخرة، وأسرة منتجة تحاول أن تنجز أكبر قدر من الطلبات قبل أن يبدأ الزحام.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: من يربح من اليوم الوطني؟
السؤال لا يحمل اتهامًا لأحد، ولا يعني أن المناسبة تحولت إلى سوق تجارية فحسب. فالمناسبات الوطنية، في كل مكان، لها وجه اجتماعي وثقافي، ولها كذلك أثر اقتصادي طبيعي. واللافت في الحالة السعودية أن هذا الأثر لم يعد محصورًا في المتاجر الكبيرة أو الشركات المعروفة، بل امتد إلى مشاريع صغيرة وأفراد وجدوا في المناسبة مساحة للعمل والإبداع وكسب الرزق.
هذا العام، على سبيل المثال، دخلت المطاعم والمقاهي في أجواء اليوم الوطني بقوائم خاصة وأطباق تحمل ألوان المناسبة، فيما اختارت طالبة في مجال فنون الطهي تقديم حلوى سعودية مستوحاة من النكهات الحجازية في صورة معاصرة.
وفي المدينة المنورة، لم تقتصر البرامج المصاحبة لليوم الوطني على العروض الجماهيرية، بل ضمت بازارًا، ومنطقة للحرفيين، وأركانًا للمأكولات السعودية، ومشاركة للأسر المنتجة، إلى جانب أنشطة ثقافية وترفيهية امتدت إلى عدد من المواقع والوجهات.
هذه التفاصيل الصغيرة تقول شيئًا مهمًا عن المناسبة.
فحين تقام فعالية وطنية، هناك من يصمم هويتها، ومن يطبع لوحاتها، ومن يصور زوارها، ومن يدير حساباتها، ومن يجهز منصتها، ومن يقدم الطعام فيها، ومن يصنع المنتجات التي تباع للزوار. وحين تمتلئ المطاعم والمقاهي بالعائلات، فهناك موظفون يعملون، وموردون يجهزون احتياجاتهم، ومشروعات صغيرة تستفيد من زيادة الطلب.
وقد لا يظهر معظم هؤلاء في الصورة التي نحتفظ بها عن اليوم الوطني. نحن نرى العلم، والفعاليات، والألعاب النارية، والسيارات المزينة، لكننا نادرًا ما نتوقف عند الأشخاص الذين يعملون خلف هذه المشاهد.
وهذا بالضبط ما يجعل اليوم الوطني مناسبة تستحق أن تُقرأ اقتصاديًا أيضًا.
في الظهر قد تجد صاحب مشروع منزلي يتابع طلبات الحلويات والهدايا، وفي المساء قد ترى شابًا يحمل كاميرته بين الناس بحثًا عن لقطة جميلة، ومصممًا يراجع تصميمًا لمنتج وطني، ومحلًا صغيرًا امتلأت واجهته باللون الأخضر، ومطعمًا يحاول أن يقدم طبقًا سعوديًا بطريقة مختلفة. وفي مكان آخر قد تكون هناك فرقة شعبية، أو حرفي، أو منظم فعاليات، أو صاحب عربة طعام، وكل واحد منهم يتعامل مع المناسبة من موقعه الخاص.
حتى المؤسسات الثقافية الكبيرة دخلت هذا المشهد بطريقة مختلفة؛ فمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» قدم هذا العام 36 تجربة ضمن برنامجه لليوم الوطني، توزعت على الفن والعمارة والسينما والموسيقى والفنون الشعبية.
وهنا لا يعود السؤال: من يربح بالمعنى الضيق للكلمة؟
الأهم أن نسأل: كم فرصة عمل وُلدت حول مناسبة وطنية؟ وكم مشروعًا صغيرًا استطاع أن يعرّف الناس بمنتجه؟ وكم موهبة حصلت على فرصة لم تكن لتأتيها في يوم عادي؟
هذه زاوية مختلفة لليوم الوطني.
فالاقتصاد لا يتحرك دائمًا بالمشروعات العملاقة والأرقام الكبيرة. أحيانًا يبدأ من طلبية تصل إلى منزل، أو من مطبعة صغيرة تستقبل عشرات الطلبات، أو من شاب يبيع منتجًا صنعه بنفسه، أو من مطعم قرر أن يضع طبقًا سعوديًا في قائمته بدلًا من الاكتفاء بتزيين واجهته.
لكن هناك جانبًا آخر يستحق الانتباه أيضًا.
ليس كل ما يرتدي اللون الأخضر منتجًا وطنيًا، وليس كل عرض تجاري يحمل شعار اليوم الوطني فرصة تستحق الاقتناص. المناسبة الكبيرة تجذب السوق، والسوق بطبيعته يعرف كيف يستفيد من المناسبات. لذلك يحتاج المستهلك إلى أن يفرق بين منتج أُعد بعناية ليقدم قيمة حقيقية، وبين منتج عادي أضيف إليه لون أخضر وارتفع سعره لأن المناسبة وصلت.
وهذا لا يقلل من قيمة الجانب التجاري للمناسبة، بل يجعله أكثر نضجًا.
فالاحتفال حين يدخل السوق يمكن أن يكون فرصة للطرفين: المستهلك يحصل على تجربة جيدة، وصاحب المشروع يحصل على موسم يساعده على الاستمرار والتوسع. أما حين يتحول الأمر إلى مجرد استغلال لشعور الناس بالمناسبة، فإن اللون الأخضر يصبح غطاءً تسويقيًا لا أكثر.
وربما أجمل ما في اليوم الوطني السعودي اليوم أنه لم يعد مناسبة تمر في مكان واحد. الاحتفال امتد إلى المدن، والمراكز التجارية، والوجهات السياحية، والمطاعم، والمقاهي، والمواقع الثقافية، والأسواق الشعبية. وفي مناطق مختلفة من المملكة أقيمت برامج تجمع بين الفنون والتراث والطعام والحرف والترفيه، وهو ما يجعل دائرة المستفيدين من المناسبة أوسع من مجرد الجهات المنظمة.
ولهذا، عندما نسأل: من يربح من اليوم الوطني؟
قد تكون الإجابة أوسع مما نظن.
يربح صاحب المشروع الصغير عندما يجد زبائن جددًا.
ويربح الحرفي عندما يجد من يقدر عمله.
ويربح الشاب الذي يكتشف أن موهبته يمكن أن تصبح مصدر دخل.
وتربح الأسرة المنتجة عندما تتحول مناسبة عابرة إلى فرصة لبيع منتجاتها.
ويربح المستهلك عندما يجد منتجًا جيدًا وتجربة تستحق ما دفعه.
وفي النهاية، يربح الاقتصاد المحلي عندما تتحول المناسبات الكبرى إلى حركة يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الناس.
ربما لهذا السبب أحب أن أنظر إلى اليوم الوطني من خلف المشهد قليلًا؛ بعيدًا عن الألعاب النارية، وبعيدًا عن ازدحام الشوارع، لأرى أولئك الذين جعلوا من المناسبة يوم عمل أيضًا.
فالوطنية لا تُقاس فقط بعدد الأعلام التي نرفعها في الشوارع، بل يمكن أن نراها كذلك في شاب بدأ مشروعًا صغيرًا، وفي أسرة أنتجت بيديها، وفي حرفي حافظ على موروثه، وفي صاحب مطعم حاول أن يقدم مذاقًا سعوديًا بصورة تليق به.
وفي بلد تتسع فيه فرص الأعمال عامًا بعد عام، ربما يكون من أجمل وجوه اليوم الوطني أن يفتح بابًا للرزق أمام شخص لم يكن ينتظر أكثر من فرصة.
فمن يربح من اليوم الوطني؟
حين يكون الاحتفال عملًا متقنًا، والمنتج جيدًا، والفرصة حقيقية، والمستهلك واعيًا، تكون الإجابة ببساطة: يربح الجميع.



