هنا مسوده غير منشور

أمهات من كوكب الوعي” بقلم : نوال السعد

انطباعات من قاعة برنامج الأردوينو في بيت الثقافة – مؤسسة سنا

أصابتني الدهشة وأنا أقف في إحدى قاعات التدريب لبرنامج الأردوينو في بيت الثقافة التابع لمؤسسة سنا.

أمام عيني أطفال تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثانية عشرة؛ في سنّ اللعب والمرح، لكنهم اختاروا طريقًا مختلفًا. جلسوا بتركيزٍ لافت، يتعاملون مع الدوائر الإلكترونية والبرمجة بعقولٍ سبقت أعمارهم، وكأنهم يكتبون ملامح مستقبلهم بأيديهم الصغيرة.

خلف هذا المشهد لم تكن الصدفة وحدها حاضرة، بل كانت هناك أمهات يعملن بصمت. أمهات قررن ألّا يتركن أبناءهن فريسة للفراغ والعبث، في زمنٍ أصبحت فيه الرغبات والشاشات تقود كثيرًا من الأطفال بعيدًا عن البناء الحقيقي.

تذكّرت قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

فالأم الواعية تدرك أن مسؤوليتها الأولى ليست توفير الرفاه فقط، بل تربية الأبناء على الحق والخير، وصناعة وعيهم قبل أي شيء آخر.

كما تذكّرت أمهات العلماء والأئمة؛ كأم الإمام أحمد بن حنبل، وأم الإمام مالك بن أنس، أولئك النساء اللاتي كنّ للأبناء أمًّا وأبًا، تربيةً وتوجيهًا وصبرًا. وصدق فيهن قول النبي ﷺ:
«الجنة تحت أقدام الأمهات» [رواه النسائي وحسنه الألباني].

في وسط القاعة رأيتهن بخُمُرهن وحشمتهن، يساندن أبناءهن ويحفزنهم. لم تأتِ الأم لتراقب فقط، بل جاءت لتشارك وتغرس وتبني.

تشغل ابنها بما ينفع، وتحاول أن تحمي عقله من حرب الشاشات الهدّامة وآثارها العميقة على الأجيال. فالطفل الذي يتعلم البرمجة اليوم، يتعلم كيف يكون صانعًا لا مستهلكًا، ومبدعًا لا تابعًا.

وكما قال الشاعر:

الأم مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ

وعلى النقيض من ذلك، هناك أمهاتٌ يملكن الوقت، لكن المسافة بينهن وبين أبنائهن شاسعة. يعشن في كوكب، وأبناؤهن في كوكبٍ آخر، حتى وإن جمعهم سقفٌ واحد.

لا تدرك بعض الأمهات حجم الحرب الدائرة داخل الأجهزة الصغيرة التي يحملها الأبناء بين أيديهم؛ حربٌ تستهدف العقول والقيم والهوية، بينما يظن الطفل أنه يلهو فقط.

انشغلت بعضهن بالحوارات الصامتة مع الشاشات، بالمقاهي، بالزيارات، بالسفر، وتركن مهمة التربية للخادمة أو للهاتف أو للصدفة.

وكأنهن نسين قول الشاعر:

ليس اليتيمُ من انتهى أبواهُ من
هَمِّ الحياةِ وخلّفاهُ ذليلاً
إنَّ اليتيمَ هو الذي تلقى لهُ
أمًّا تخلّتْ أو أبًا مشغولاً

السؤال الحقيقي هنا ليس عن الإمكانيات، بل عن الأولويات.

فبرامج مؤسسة سنا في بيت الثقافة تفتح الأبواب، لكن من الذي سيمسك بيد الطفل ليقوده إلى هذه الأبواب؟
من سيجلس معه، يشجعه، ويتابع خطواته الأولى؟

الأم الواعية لا تمنع التقنية، بل تؤطّرها. لا تحرم الطفل من الترفيه، لكنها تمنحه ما يبني عقله ويصنع شخصيته، عملًا بقول النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [متفق عليه].

إنها تصنع رجالًا ونساءً ينهض بهم الوطن مستقبلًا.

وفي تطلعنا للأمهات والأجيال القادمة، نحلم بأمهات يدركن أن الاستثمار الحقيقي ليس في المال والرفاه، بل في عقلٍ يُبنى، وقلبٍ يُربّى.

نحلم بجيلٍ ينشأ على التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين القيم الراسخة ومهارات العصر. جيلٍ يرى في التقنية أداة بناء لا وسيلة هدم، وفي العلم طريق عزٍّ لا مجرد زينة مجالس.

فإذا أردنا أمةً قوية، فلنبدأ من البيت، ولنصنع أمهاتٍ واعيات يخرّجن لنا قادةً لا مقلدين، وصنّاعًا لا مستهلكين.

وحينها يصدق فينا قول الشاعر:

وينشأ ناشئُ الفتيانِ منّا
على ما كان عوّده أبوهُ

حقًا… هناك أمهاتٌ من كوكبٍ آخر؛
كوكب اسمه الوعي، والمسؤولية، وحبٌّ لا يكتفي بالكلمات، بل يصنع المستقبل بيديه .
المدينه الدمام
@snaaa_team

المستشارة الإعلامية د. سناء الخالدي

المستشارة الإعلامية والمدربة الدكتورة سناء الخالدي مدير المسؤولية الاجتماعية بنادي الدمام السعودي ومستشار أسري وتربوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى