مقالات

حفلات التخرج بين الابتذال والتكاليف الباهظة… إلى أين؟ بقلم : د . عائض فهد القحطاني

في كل عام يتكرر مشهد حفلات التخرج بوصفه محطة احتفاء مستحقة بنهاية رحلة تعليمية طويلة تتوّج سنوات من الاجتهاد والسهر والتحديات.
غير أن هذا المشهد الذي يفترض أن يكون بسيطًا ومعبّرًا عن قيمة الإنجاز بدأ يتحول تدريجيًا لدى البعض إلى سباق استهلاكي مفتوح تتسابق فيه الأسر والطلاب نحو مظاهر مبالغ فيها حتى بات السؤال المشروع :
هل ما زلنا نحتفل بالتخرج أم نحتفل بالمظاهر؟

لم تعد حفلات التخرج تقتصر على عباءة التخرج
وصورة جماعية
وكلمات وداعية تحمل الامتنان والفرح.

بل دخلت في دائرة أوسع من التكاليف: قاعات فاخرة
تنسيقات باهظة
هدايا مخصصة
جلسات تصوير احترافية
إطلالات متعددة
توزيعات فخمة
بل أحيانًا رحلات وسهرات تتجاوز في تكلفتها قدرة كثير من الأسر.
ومع تصاعد هذا النمط أصبح التخرج عند بعض الطلاب مشروعًا ماليًا مرهقًا أكثر من كونه مناسبة معنوية.

المشكلة لا تكمن في الاحتفال ذاته فالفرح بالإنجاز حاجة إنسانية مشروعة بل وقد يكون دافعًا معنويًا مهمًا.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الاحتفال إلى ضغط اجتماعي يفرض على الجميع نمطًا موحدًا من البذخ وكأن قيمة المناسبة تقاس بحجم الإنفاق لا بحجم الإنجاز.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا واضحًا في تغذية هذا المشهد.
إذ أصبحت حفلات التخرج محتوى قابلًا للعرض والمقارنة تُنتقى فيه الزوايا المثالية
والديكورات المبهرة
والهدايا الملفتة
لتُصنع صورة ذهنية جديدة عن “التخرج المثالي”.
هذه الصورة دفعت كثيرين إلى تقليدها ليس بدافع الرغبة دائمًا بل خوفًا من أن يبدو احتفالهم عاديًا أو أقل شأنًا.

اللافت أن بعض الممارسات المصاحبة لهذه الحفلات تجاوزت حدود الذوق والاتزان
سواء في المبالغة بالمظاهر أو في محتوى بعض الفعاليات التي تبتعد عن روح المناسبة وقيمتها التعليمية.
وهنا يظهر وجه آخر للإشكال:
حين يفقد الاحتفال رسالته الأصلية ويتحول إلى استعراض فارغ من المعنى.

السؤال الأهم: إلى أين نمضي بهذه الثقافة؟
إذا استمر ربط الفرح بالمبالغة
والإنجاز بالمظهر
فإننا نعيد تشكيل وعي جيل كامل على معايير استهلاكية مرهقة
تجعل المناسبات عبئًا بدل أن تكون ذكرى جميلة.

ربما آن الأوان لإعادة تعريف حفلات التخرج. ليس بالحدّ من الفرح
بل بإعادته إلى جوهره الاصلي :
الامتنان
الفخر بالانجاز
مشاركة اللحظة مع من كان جزءًا من الرحلة.
فالتخرج قيمة تُحتفى بها بما يليق بها من بساطة وعمق لا بما يرهق الجيوب ويستنزف المعنى.

ختامًا سيظل التخرج لحظة لا تُنسى لكن ما يستحق أن يبقى في الذاكرة حقًا ليس فخامة القاعة أو عدد الهدايا
بل شعور الإنجاز حين يصل الإنسان إلى نهاية طريق تعب لأجله طويلًا. فهل نحتفل بالنجاح… أم نستهلكه؟

د . عائض فهد القحطاني
كاتب ومؤلف اخصائي ارشاد نفسي خبير التوجيه السلوكي مدرب تنمية المهارات الشخصية والقيادية
حساب منصة x
@aydalfhd

المستشارة الإعلامية د. سناء الخالدي

المستشارة الإعلامية والمدربة الدكتورة سناء الخالدي مدير المسؤولية الاجتماعية بنادي الدمام السعودي ومستشار أسري وتربوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى