ايامٍ معدودات بقلم :نواف بن عبدالعزيز الراجح

استيقظتُ ذات يومٍ على عادةٍ صارت مألوفة؛ يومٌ يمضي كما سبقه، بين شاشةٍ أتنقّل فيها بلا هدف، وتلفازٍ يملأ الفراغ، وحديثٍ عابر مع الأهل والأصدقاء. كلما سنحت لي لحظة، صرفتها إلى شيءٍ من الترفيه، وكأنّ الأيام تتشابه بلا نهاية، يمحو فيها الغدُ أثرَ الأمس.
ثم جاء موعدُ الحج. فبدأتُ أقرأ وأتعلّم، فتبيّن لي من كلام الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وقول النبي ﷺ: «مَن حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، وقوله ﷺ: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
فتكوّن في داخلي هدفٌ واضح: أن أعود كما ولدتني أمي، وأن أعيش تلك الأيام المعدودات كما ينبغي لها أن تُعاش.
أحرمتُ ولبّيتُ، فتغيّر كل شيء. في الحافلة، وقعت عيني على مشهدٍ لامرأةٍ متبرجة في هاتف أحدهم، فحرفتُ بصري فورًا، وخفتُ أن ينقص من أجر حجي شيء.
وفي موقفٍ آخر، سمعته يذكر الناس بسوء، فحاولت تغيير مجرى الحديث ما استطعت، خشية أن ينزلق اللسان إلى ما لا يرضي الله. وتكرر الأمر حين جاءني اتصالٌ فيه تذمرٌ وشكوى من أحدهم، فحاولت أن أقطع ذلك الطريق وأحوّل الحديث إلى خيرٍ أو صمت.
حتى المزاح البسيط لم يعد يمر كما كان؛ كنت أتساءل بعده: أفيه كذبٌ أم لا؟ وكأن القلب صار أكثر يقظة، يخشى أن يفوّت فرصة الحج المبرور.
ومع مرور الوقت، صرتُ لا إراديًا كأنني مُقيّدٌ بوعيٍ جديد؛ لا أرى للوقت معنى إلا في طاعةٍ أو ذكرٍ أو دعاء، وكأنني لا أجرؤ على إهداره، خاصةً وأنها أيامٌ معدودات.
ومن زاويةٍ أخرى، قبل كل نسكٍ من مناسك الحج كالرمي مثلًا كنت أحرص على القراءة و التعلّم وسؤال أهل العلم عن كيفية أداء النبي ﷺ، رغبةً في الاقتداء به ﷺ والاتباع على الوجه الصحيح.
وفي خلال هذه الأيام، بدأتُ أتأمل كيف تبدّلت الأولويات، وكيف استعادت الأشياء وزنها الحقيقي بعد أن كانت متزاحمة بلا معنى. فعاد كلُّ شيءٍ إلى مكانه الصحيح، كأن ضجيج الحياة خفت فجأة، وبقي الجوهر فقط.
وعندها نظرتُ إلى حياتي من مسافةٍ بعيدة، فرأيتها كما هي: أيامٌ معدودات. وأدركتُ أن ما سعيتُ إليه في الحج ينبغي ألا يُحصر في هذه الرحلة وحدها، بل أن يمتد إلى كل دقيقةٍ من عمري خارجها، فحياتنا كلها أيامٌ معدودات.
وكلما عشتُ موقفًا، اصبح يراودني سؤالٌ: كيف كان رسول الله ﷺ يتعامل مع هذا؟ في عبادته، وفي بيته، وفي تفاصيل حياته اليومية… وكأن الرغبة بالاقتداء أصبح لتو حضورًا في كل خطوة.
فبدأت بالمحاولة أن أحمل هذا المعنى معي، وأن تبقى الأولويات كما كانت هناك؛ نقاء نيةٍ، وحضور قلبٍ، ومجاهدة نفسٍ. وأن أرجو في كل يومٍ من حياتي أن يشبه روح الحج المبرور.
ومع كل محاولةٍ، تبقى هناك فكرةٌ لا تفارقني: أن أعود إلى الحياة الطبيعية، وأن أنغمس في زحمتها، فأبتعد شيئًا فشيئًا عن هذا المعنى العظيم، وكأن شيئًا لم يتغيّر. كحال من يزور المقابر، فيتذكّر أن الحياة أيامٌ معدودات، فينتفع ويتّعظ، ثم لا تلبث ساعاتٌ أن تمر حتى يعود إلى انشغاله، وكأن شيئًا لم يتغيّر. .
الكتاب: نواف بن عبدالعزيز الراجح
المنطقة الشرقية – الدمام
المملكة العربية السعودية
تويتر
@nawaf331



