مقالات

على قيد التخطيط.

 

بقلم : رغد الغامدي

نقضي جزءاً كبيراً من حياتنا في الانتظار.
ننتظر نهاية المرحلة الدراسية لنبدأ الحياة الحقيقية، ثم نكتشف أن الحياة الحقيقية كانت تحدث أثناء الدراسة. ننتظر الوظيفة، ثم ننتظر الترقية، ثم الإجازة، ثم نهاية السنة، ثم بداية سنة جديدة نعتقد أنها ستكون مختلفة عن سابقتها نعيش وكأن السعادة تقف دائماً في المحطة القادمة.
أتذكر أنني كنت أعتقد في مراحل مختلفة من حياتي أن هناك نقطة معينة إذا وصلت إليها سيتغير كل شيء شهادة معينة، وظيفة معينة، إنجاز معين، أو حتى مدينة معينة. كنت أتعامل مع الحاضر على أنه مجرد جسر مؤقت أعبره للوصول إلى شيء أهم لكن ما لم أفهمه مبكراً أن الإنسان إذا اعتاد تأجيل رضاه فلن يتوقف عن التأجيل أبداً.
حين كنت طالبة كنت أنتظر التخرج وحين تخرجت بدأت أنتظر الوظيفة وحين بدأت العمل أصبحت أنتظر الاستقرار ثم اكتشفت أن قائمة الانتظار تتجدد تلقائياً كلما شطبت منها هدفاً..
المشكلة ليست في وجود الأهداف، الأهداف مهمة، وهي التي تدفع الإنسان إلى التقدم المشكلة تبدأ عندما يتحول الهدف إلى شرط للسعادة عندما نقنع أنفسنا أن الراحة مؤجلة إلى إشعار آخر .
تعلمت اخيراً شيئاً مختلفاً عن الصورة التي كنا نرسمها للحياة ونحن صغار. ان الطبيعة لا تنتظر اكتمال الظروف المثالية الطيور تبني أعشاشها وسط الرياح والنباتات تنمو في مواسم قاسية. والكائنات تتعامل مع ما هو متاح لا مع ما تتمنى أن يكون متاحاً.
أما الإنسان فقد أتقن اختراع الأعذار المؤجلة.
الانسان اتقن التسويف حتى في اكثر امور خصوصية
ومن الأشياء التي لاحظتها أن كثيراً من اللحظات التي أصبحت لاحقاً من أجمل ذكرياتي لم تكن لحظات مثالية أصلاً وليست من اللحظات التي نمت وانا اخطط لها جميعها كانت ناقصة ومليئة بالتفاصيل.
أما الخطط المؤجلة فلم تترك وراءها شيئاً سوى فكرة أنها كانت ممكنة يوماً ما.
الفرص في حياتنا لالتقاط افضل صورة نفوز بها بجوائز عالمية لا تنتظرنا
ربما لهذا السبب لا أخاف كثيراً من التجارب الجديدة حتى لو لم تكن الظروف مثالية بالكامل. اعتدت ان اكون في اوائل قائمة محبين خوض التجارب لأنني بدأت أقتنع أن انتظار اللحظة الكاملة قد يكون أكثر خطورة من خوض تجربة ناقصة.
العمر يجري هناك دائماً نقص ما، وعائق ما، وسبب منطقي للتأجيل لكن العمر يمتلك عادة سيئة؛ فهو لا ينتظر معنا.

تمر السنوات بسرعة مخيفة. ليس لأنها قصيرة بالضرورة، بل لأننا نقضي جزءاً كبيراً منها ونحن ننظر إلى الأمام أكثر مما نعيش ما بين أيدينا.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الإنسان عندما يتقدم به العمر لا يندم عادة على الأمور التي حاول وفشل فيها، بقدر ما يندم على الأشياء التي لم يحاولها أساساً.
على الرحلات التي لم يقم بها والكلمات التي لم يكتبها والأشخاص الذين لم يخبرهم بما يشعر والفرص التي ظل يؤجلها حتى اختفت بهدوء لهذا أصبحت أعتقد أن بعض أشكال الحكمة لا تتمثل في معرفة الوقت المناسب للانتظار، بل في معرفة الوقت الذي يجب أن نتوقف فيه عن الانتظار.

فالحياة لا تبدأ بعد الوظيفة، ولا بعد الزواج، ولا بعد التقاعد، ولا بعد تحقق الحلم القادم ، الحياة بدأت بالفعل.
و هي تحدث الآن..
فلايستحق المستقبل ان نرهن له كل حاضرنا
تكفينا اهداف نسير نحوها دون ان نؤجل الحياة
قرأت يوما عبارة ( وانت تبني لحياة تعيشها لا تنسى ان تعيش )
تبقى احاديثنا العابرة والوجوه التي رافقتنا وحتى اخطائنا جزء من رحلتنا لحياة نخطط لها بشغف فالوظيفة ستصبح روتين يوماً ما والسيارة التي تمنيتها ستصبح فقط وسيلة نقل ومدن في قائمة الخطط ستصبح وجهة معنونة في هوياتنا
وكل يوم نعيشه هو جزء من حلم مؤجل سابقاً

رغد سعيد الغامدي
المنطقة الغربية – الطائف
المملكة العربية السعودية
@Raghad_saeed
للتواصل
Raghad_saeed@outlook.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى