: “قبلتُ الزواجَ ورضيتُن به”*

بقلم : نوال السعد
_عجزَ عقلي عن استيعابه، ولساني عن ترديده، وقلمي عن التعبير عنه
في مشهدٍ يهزُّ القلبَ قبل العين، وقف رجلٌ في مجلس عقد القران لا لينطق بكلمة “قبلتُ” فحسب، بل لينطق بميثاقِ عمرٍ كامل. المشهد بسيطٌ في ظاهره: رجلان بثوبٍ أبيض وعقال، وأيدٍ متشابكة، وميكروفون، وزهورٌ بيضاء تزيّن الطاولة. أما في باطنه فكان الكلام أثقل من الجبال وأصدق من كل العهود.
ارتفع الصوت ثابتًا، لكن تحته رجفة المعنى، فقال: *”قبلتُ الزواجَ ورضيتُ به”*، ثم لم يكتفِ فزادها بيانًا أخرس المجلس احترامًا: *”وجعلها اللهُ قرةَ عينٍ لي، وأمًا مباركةً لأبنائي، وسكينةَ قلبي، ورفيقةَ دربي، وأنسَ أيامي، ودوائي عند كل عناءٍ، وحبي عند غياب الحبيب”*.
ثم جاءت الشهادة التي تخلع القلب من مكانه: *”وأشهدُ اللهَ ثم أشهدكم أن أكون أمانَها بعد والدها رحمه الله، وسندًا بعد أخيها، وظهرًا لا يميل، وقلبًا لا يخون، وكتفًا عند التعب، وطمأنينةً عند الخوف، وأن أكرمَها وأحفظَ ودَّها حتى يأتي أمرُ الله”*.
يا الله! ما أعظم هذا الوفاء. إنه لا يطلب يدًا فقط، إنه يطلب أن يكون العوض عن كل غياب، وأن يكون الأب بعد الأب، والأخ بعد الأخ، والظهر الذي لا ينحني، والقلب الذي لا يخون، والبيت الذي لا يميل.
وهذا هو الزواج في ميزان السماء قبل ميزان الأرض. سماه الله *”ميثاقًا غليظًا”* فقال: *{وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}* [النساء: 21]، فهو ليس ورقةً توقَّع وتُمزَّق، ولا صفقةً تنتهي بمصلحة. هو عهدٌ مقدسٌ أمام الله والناس. وجعل أصله *سكنًا ومودةً ورحمة* فقال: *{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}* [الروم: 21]. وأوصى به خير الخلق ﷺ فقال: *”خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي”* [الترمذي]، وقال: *”استوصوا بالنساء خيرًا”* [متفق عليه].
ويوجع القلب أننا في هذا الزمان صرنا نزن الشباب بالشهادات المعلقة، وبالمسميات الوظيفية، وبحجم الرواتب، وبطبقات المجتمع. صرنا نسأل: ماذا يملك؟ قبل أن نسأل: ماذا يحمل من دين وخلق وأمانة؟ ونسينا الميزان النبوي العادل: *”إذا أتاكم من ترضون دينَه وخلقَه فزوجوه”* [الترمذي].
هذا الشاب لم يعدِّد أملاكه، ولم يتباهَ بمنصبه. قال فقط: *”أشهدكم أن أكون أمانَها وسندَها وظهرَها”*. قالها من فهم أن الرجولة ليست توقيعًا في دفتر، بل روحًا تُبذل كل يوم. إننا لا نُعدُّ الشباب بحجم جيوبهم، بل بحجم قلوبهم، وبمقدار ما فيهم من صدق ووفاء ورجولة. ولا نطلب لبناتنا غنىً يزول، ولا جاهًا يتغير، بل نطلب رجلاً إذا وعد وفى، وإذا اؤتمن حفظ، وإذا أحب أكرم. *فالزواج ميثاق لا صفقة*، والبيوت لا تُبنى بالمال، وإنما تُبنى بمن يعرف معنى *”حتى يأتي أمرُ الله”*.
ولذلك عجزنا عنه. عجز العقل عن استيعابه لأننا اعتدنا البرود في العقود والجفاف في الكلمات. وعجز اللسان عن ترديده لأن الصادق إذا تكلم أثقلته الأمانة. وعجز القلم عن وصفه لأن بعض المشاعر أكبر من المداد، فكيف تُسطَّر عبارة *”ستكونين دوائي”* دون أن تبكي الورقة معها؟
هذا ليس عقدًا عابرًا. هذا تذكير بأننا عدنا إلى الأصل، عدنا إلى الميثاق الغليظ.
اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خير. اللهم ارزق بناتنا رجالًا كهذا يحملون الأمانة ويصون العهد. وارزق شبابنا القوة ليكونوا أهلاً لهذه الكلمة العظيمة *”قبلتُ”*. اللهم املأ بيوتنا بمثل هذا القبول وهذا الرضا وهذا الوعد الذي لا يخون.
………………….
نوال السعد
المنطقه الشرقيه الدمام
المملكه العربيه السعوديه
@snaaa_team



