مقالات

ملاكي الحارس والتابعة الشريرة

 

بقلم : علي المفتاح

في كل رحلة نجاح، هناك شخصيات لا نراها بأعيننا، لكنها تسير معنا في كل خطوة.

منذ سنوات، كنت أظن أن الطريق إلى النجاح يعتمد على الجهد وحده، حتى اكتشفت أن هناك قوتين تتصارعان حول كل إنسان؛ قوة تبني، وقوة تهدم.

أسميت الأولى “ملاكي الحارس”.
ولم يكن ملاكًا بأجنحة بيضاء كما تصوره القصص، بل كان كل كلمة صادقة سمعتها في وقت الحاجة، وكل شخص آمن بي حين شككت بنفسي، وكل دعاء خفي رُفع لي دون أن أعلم.

أما الثانية فأسميتها “التابعة الشريرة”.
لم تكن شيطانًا يظهر في الظلام، بل كانت وجوهًا تبتسم أمامي، وتطعنني بالكلمات خلف ظهري، وأفكارًا سلبية تحاول أن تسكن عقلي كلما اقتربت من هدف جديد.

في أحد الأيام، كنت أستعد لخوض تجربة جديدة.
وقفت أمام الباب مترددًا , جاءني صوت ملاكي الحارس هامسًا:
“جرّب… فالفشل تجربة، والنجاح نتيجة.”
وفي اللحظة نفسها، جاءني صوت التابعة الشريرة:
“لا تتعب نفسك، لن تنجح، فالآخرون أفضل منك.”
اخترت أن أستمع إلى الصوت الأول.
وبعد أشهر، تحقق الإنجاز.
عندها أدركت أن أكبر المعارك لا تدور في الخارج، بل داخل الإنسان نفسه.

ملاكي الحارس كانت تشعر بتعبي قبل أن أتحدث.
أحيانًا أجد رسالة دعم تصلني في لحظة إحباط. أو صديقًا يتصل ليسأل عني دون سبب , أو أمًا ترفع يديها بالدعاء في جوف الليل , هؤلاء جميعًا كانوا جزءًا من ملاكي الحارس.
كانوا يهيئون الطريق أمامي دون أن يشعروا , يدفعونني نحو الخير , يشجعونني على التطوع , يحفزونني على العمل.
ويذكرونني بأن النجاح الحقيقي هو أن أترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.

أما التابعة الشريرة فكانت مختلفة.
كانت تحسد الإنجاز أكثر مما تحترم الجهد , تحكم على الناس قبل أن تعرف قصصهم.
تتحدث عن الآخرين بسوء، ثم تبتسم لهم عند اللقاء.
كانت ترى نجاح غيرها خسارة لها. وتظن أن إسقاط الآخرين سيرفع من شأنها.
وفي كل مرة أحقق فيها خطوة جديدة، كانت تحاول وضع عقبة في الطريق.
مرة بالإشاعة. ومرة بالتشكيك. ومرة بالسخرية. ومرة بنشر الإحباط.

أتذكر قصة موظف شاب بدأ مشروعًا صغيرًا.
قال له البعض: “لن تنجح.” وقال آخرون: “من تظن نفسك؟”
لكن هناك شخصًا واحدًا فقط قال له: “استمر… وستصل.”
بعد سنوات، أصبح مشروعه من أنجح المشاريع.
ذلك المشجع كان ملاكه الحارس.
أما المحبطون فكانوا مجرد أصوات من جيش التابعة الشريرة.

والغريب أن التابعة الشريرة لا تكتفي بإيذاء الآخرين. بل تحاول أن تسكن قلب صاحبها أولًا.
تملؤه بالحقد. وتغذيه بالمقارنات. وتجعله يعيش عمره كله مراقبًا نجاح الناس بدل أن يصنع نجاحه الخاص.

أما ملاكي الحارس فيعلمني كل يوم درسًا مختلفًا:
أن الخير لا يضيع. وأن الكلمة الطيبة قد تغير حياة إنسان.
وأن النجاح الحقيقي ليس الوصول إلى القمة فقط، بل مساعدة الآخرين على الصعود معك.

وفي نهاية الرحلة، اكتشفت حقيقة مهمة:
ملاكي الحارس ليس شخصًا واحدًا. قد يكون أبًا. أو أمًا. أو صديقًا. أو معلمًا.أو زوجةً مخلصة. أو حتى ضميرًا حيًا يسكن داخلك.
أما التابعة الشريرة، فهي كل فكرة سوداء تحاول إبعادك عن الخير، وكل إنسان يتغذى على الحسد والكراهية وتشويه الآخرين.

ومنذ ذلك اليوم، اتخذت قراري:
كلما سمعت صوت ملاكي الحارس، سرت خلفه. وكلما همست التابعة الشريرة، تركتها تتحدث وحدها.
فالأشجار المثمرة لا تتوقف عن النمو لأن الغربان تنعق حولها. والنجاح لا يتوقف لأن الحاسدين لا يعجبهم المشهد.

وفي النهاية، يبقى السؤال: من الذي يستمع إليه كل واحد منا اليوم…؟
ملاكه الحارس؟
أم تابعته الشريرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى