مقالات

*حين ينهار البيت قبل أن يُبنى: ضعف المسؤولية*

 

 

*بقلم: نوال السعد*

*تزوجت نور وعمر* قبل 8 أشهر فقط. كان زواجاً عن حب، وكل الأهل قالوا: “ما شاء الله، متفاهمان”.
في الشهر الثالث بدأت المشاكل. وانقطعت فاتورة الكهرباء لأن أحداً لم يتذكر دفعها. قال عمر: “أنتِ مسؤولة عن البيت”، فردت نور: “وأنت الرجل المسؤول عن المصروف”.
وفي الشهر الخامس صارا ينامان في غرفتين منفصلتين. وفي الشهر الثامن كانا في المحكمة.
سألهما القاضي: “ما السبب؟”
فَنَظرا إلى بعضهما وسكتا. فالسبب لم يكن خيانة ولا فقراً. كان جملة واحدة قالها عمر لنور يوماً: “أنا لم أتعود أن أحمل همّ شيء”.

هذه القصة تتكرر كل يوم. بيوت تنهار ليس بسبب كوارث، بل بسبب أمر أبسط وأخطر: *ضعف تحمل المسؤولية*.

الزواج في الإسلام ليس قصة حب تُروى، ولا شهر عسل يُقضى، إنه ميثاق غليظ كما وصفه الله تعالى. والميثاق يعني التزاماً وعهداً وشراكة تقوم على كتفين تعرفان معنى أن تُمسكا بزمام بيت.
لكن كثيرين يدخلون الزواج ولم يتعلموا بعد كيف يتحملون تبعات قراراتهم. نشأوا في بيوت قام فيها الأب والأم بكل شيء، فكبروا وهم يعتقدون أن الحياة ستظل كذلك. فيأتي الزوج يبحث عن أم جديدة، وتأتي الزوجة تبحث عن أب جديد، وينسى الاثنان قول النبي ﷺ: _”كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”_. فالمسؤولية هنا ليست خياراً، إنها أصل العقد.

تبدأ المشكلة من الداخل. فحين يهرب الشاب من ضغوط العمل يظن أن الزواج ملاذ، وحين تهرب الفتاة من قيود بيت الأهل تظن أن الزواج حرية. ولم ينظر أي منهما إلى الزواج على أنه مشروع يحتاج إلى تخطيط ومال ووقت وجهد. اكتفيا بالجانب العاطفي وتجاهلا أن البيت يحتاج إلى من يدفع فواتيره، ومن يقرر عند الأزمات، ومن يعتذر عند الخطأ. ومع أول عقبة صغيرة، وأول فاتورة متأخرة، وأول خلاف لم يُحل، ينهار كل شيء؛ لأن أحداً لم يتدرب على المواجهة.

والنتيجة معروفة. تتراكم التفاصيل الصغيرة حتى تصبح جبالاً. فيبدأ لوم الآخر، وتبدأ المقارنات، ويبدأ الشعور بالظلم. ويشعر كل طرف أنه يحمل الدنيا وحده، فينسحب عاطفياً أولاً ثم جسدياً بعد ذلك. فالطلاق لا يحدث فجأة، هو حصاد شهور من الهروب من المسؤولية.

لكن الخبر الجيد أن تحمل المسؤولية مهارة، والمهارات تُتعلم. فقبل أن تفكر في فستان الزفاف أو في قاعة الفرح، فكر في ميزانيتك. اجلس مع نفسك ومع شريك حياتك، ودربا نفسيكما على إدارة بيت وهمي لثلاثة أشهر. من سيدفع؟ وكم ستدخران؟ ومن سيتابع احتياجات المنزل؟ تعلما كيف تتخذان قراراً سوياً وتتحملان نتيجته دون أن يرمي أحدكما اللوم على الآخر. وتعلما أن تقولا: “أخطأت وأنا أتحمل”، فهذه الجملة وحدها تنقذ بيوتاً.

اسأل نفسك بصدق قبل أن توقع: هل أنا رجل أو امرأة بمستوى هذا الميثاق؟ هل أستطيع أن أكون سنداً لا عبئاً؟ هل أنا مستعد لأن أكبر فجأة من أجل شخص آخر؟

الزواج لا يحتاج إلى قلبين عاشقين فقط، بل يحتاج إلى عقلين ناضجين، ويدين عاملتين، وروحين تعرفان أن السعادة لا تأتي ممن يتحمل عنك، بل ممن تتحمل معه.

*نوال السعد*
*المنطقة الشرقية – الدمام*
*المملكة العربية السعودية*
@snaaa_team

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى