مقالات

الخصوصية حق… والستر خلق… وحفظ أسرا

بقلم / مداوي ال غدرا
تتبّع أخبار الناس والبحث عن أسرارهم… حين يتحول الفضول إلى أذى
من أكثر السلوكيات التي قد تبدو بسيطة في بدايتها، ثم تتحول مع الوقت إلى عادة مؤذية: الانشغال بأخبار الناس، وتتبع تفاصيل حياتهم، والبحث عن أسرارهم وعوراتهم، ومحاولة معرفة ما لا يعني الإنسان معرفته.

فالإنسان الذي يجعل حياته قائمة على مراقبة الآخرين، والسؤال عن أحوالهم الخاصة، وتتبع ما ينشرونه وما يخفونه، قد يظن أنه يمارس مجرد فضول، بينما هو في الحقيقة يستهلك وقته، ويؤذي علاقاته، ويعرّض نفسه للوقوع فيما لا يرضي الله.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾
سورة الحجرات: 12

وهذه الآية العظيمة تحمل توجيهًا واضحًا إلى احترام خصوصيات الناس، وعدم البحث عما ستره الله عنّا.

لماذا يُعد تتبع الناس سلوكًا خطيرًا؟

أولًا: لأنه تعدٍّ على الخصوصية
ليس كل ما نريد معرفته يحق لنا معرفته، وليس كل ما نستطيع الوصول إليه يجوز لنا البحث عنه. للناس مساحات خاصة في حياتهم، ومن الأخلاق أن نحترمها وألا نحاول اقتحامها.

ثانيًا: لأنه يفسد العلاقات
عندما يصبح الإنسان ناقلًا للأخبار، ومتتبعًا للأسرار، يبدأ الناس بفقدان الثقة به. فالشخص الذي يتحدث عن الآخرين أمامك، قد يتحدث عنك أمام غيرك.

ثالثًا: لأنه يفتح باب سوء الظن
كثرة البحث والتفسير والتدقيق في تصرفات الآخرين قد تجعل الإنسان يرى الأمور من زاوية سلبية، فيبني أحكامًا على الظنون، وربما يظلم أشخاصًا لا ذنب لهم.

رابعًا: لأنه يهدر العمر
كم من ساعات تضيع في متابعة حياة الآخرين، ومعرفة من قال ماذا، ومن ذهب أين، ومن اختلف مع من، وما الذي حدث خلف الأبواب المغلقة؟
وفي المقابل، هناك حياة شخصية تحتاج إلى بناء وإصلاح وتطوير.

خامسًا: لأنه قد يؤدي إلى هتك الستر
قد يصل الإنسان إلى معلومة خاصة، ثم ينقلها إلى شخص آخر، فتنتشر القصة وتتسع دائرتها، وربما تسببت في قطيعة أو خلاف أو أذى نفسي لا يمكن إصلاح آثاره بسهولة.

ليس كل ما يُعرف يُقال

من الأخلاق الراقية أن يعرف الإنسان متى يتوقف عن السؤال.

فليس من الحكمة أن تسأل عن تفاصيل زواج شخص، أو دخله، أو مشكلاته الأسرية، أو خلافاته، أو أسراره، لمجرد إشباع الفضول.

وليس من المروءة أن تبحث عن زلات الناس ثم تستخدمها في الحديث عنهم.

فالستر خلق، وحفظ الأسرار أمانة، واحترام خصوصية الآخرين دليل على نضج الإنسان وسمو أخلاقه.

ماذا نفعل بدلًا من تتبع الآخرين؟

بدل أن نسأل: ماذا حدث لفلان؟
نسأل أنفسنا: ماذا أستطيع أن أصلح في حياتي؟

وبدل أن ننشغل بأخطاء الآخرين، ننشغل بإصلاح أخطائنا.

وبدل أن نبحث عن عورات الناس، نبحث عن نقاط القوة فيهم.

وبدل أن ننقل الأخبار، ننقل الكلمة الطيبة.

وبدل أن نراقب حياة الآخرين، نستثمر وقتنا في الأسرة، والعمل، والتعلم، والعبادة، وخدمة المجتمع.

الستر لا يعني السكوت عن الخطأ دائمًا

ومن المهم التفريق بين التجسس المحرم وبين طلب المعلومات عند وجود حاجة معتبرة أو مسؤولية حقيقية، كمن يتولى رعاية أبنائه ويحاول حمايتهم من خطر واضح، أو من يحتاج إلى التحقق من أمر يتعلق بحق أو أذى متوقع.

فالهدف ليس البحث عن عيوب الناس، وإنما دفع الضرر وحماية الحقوق بالقدر اللازم، دون تجاوز أو تشهير أو انتهاك للخصوصية.

رسالة أخيرة

لا تجعل أخبار الناس مشروع حياتك.

لا تفتش خلف الأبواب المغلقة، ولا تبحث عن العثرات، ولا تجعل مجالسك قائمة على: سمعت، وقيل، وعرفت، واكتشفت.

فمن أجمل ما يملكه الإنسان أن يكون مأمون الجانب، محفوظ اللسان، يحفظ أسرار الناس كما يحب أن يحفظ الناس أسراره.

وقد قال النبي ﷺ:

«ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».

فاجعل لك أثرًا جميلًا في حياة الآخرين، لا أثرًا من خلال كشف أسرارهم.

اشتغل بإصلاح نفسك، فالعمر أقصر من أن يُستهلك في مراقبة حياة الآخرين.

ومضات مداوي
الخصوصية حق… والستر خلق… وحفظ أسرا

مداوي آل غدرا المنطقة الشرقية- الجبيل المملكة العربية السعودية @ mdawialbishi

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى