حين تصبح العوده الي الكتاب.. خطوه الي الامام

بقلم : حمد الهلال
«اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم».. آيات كريمة اختصرت منذ البداية مكانة القراءة والتعلّم والقلم في بناء الإنسان وصناعة المعرفة.
وفي زمن تتسارع فيه التقنيات بصورة غير مسبوقة، انتقلت العملية التعليمية من الكتاب والدفتر والقلم إلى الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية والمنصات الرقمية، حتى أصبح الوصول إلى المعلومات أسرع وأسهل من أي وقت مضى. ولم يعد الطالب بحاجة إلى صفحات كتاب للبحث عن معلومة، كما أصبح إعداد الدروس والمحاضرات وتبادل الواجبات والمواد التعليمية يتم، في كثير من الأحيان، دون ورقة أو قلم.
لكن سؤالًا بدأ يفرض نفسه في عدد من الأنظمة التعليمية حول العالم: هل كل ما هو رقمي يعني بالضرورة أنه أكثر فاعلية في التعليم؟
خلال السنوات الأخيرة، بدأت دول أوروبية مراجعة بعض سياساتها التعليمية المتعلقة بالاستخدام المكثف للتكنولوجيا داخل المدارس، متجهةً في بعض تجاربها إلى تعزيز حضور الكتاب الورقي والقراءة والكتابة اليدوية، مع تقليل الاعتماد على الشاشات، خصوصًا في المراحل الدراسية المبكرة.
ولا تأتي هذه المراجعة بوصفها رفضًا للتكنولوجيا أو دعوةً إلى العودة للماضي، وإنما بوصفها محاولة لتحقيق التوازن بين الأدوات الرقمية ووسائل التعلّم التقليدية، في ظل تساؤلات تربوية متزايدة حول تأثير الاستخدام المفرط للشاشات في التركيز والانتباه وعادات القراءة والكتابة لدى المتعلمين.
فالتكنولوجيا ليست المشكلة في ذاتها، كما أن الكتاب الورقي ليس حلًا لكل مشكلة. وإنما تكمن القضية في كيفية استخدام كل وسيلة، ومتى تُستخدم، ولأي هدف.
فاللوح الإلكتروني يمكن أن يفتح أمام الطالب أبوابًا واسعة للمعرفة، والمنصات الرقمية تستطيع أن تجعل التعلّم أكثر تفاعلية، لكن الكتاب يمنح الطالب تجربة مختلفة في القراءة والتأمل، بينما تساعد الكتابة اليدوية على ترسيخ المعلومة وتعزيز التفاعل معها.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال: هل نختار الكتاب أم التقنية؟
بل: كيف نستخدم التقنية دون أن نفقد الكتاب، وكيف نطوّر التعليم دون أن نفقد أساسيات التعلّم؟
إن المدرسة الحديثة لا تحتاج إلى التخلي عن التقنية، كما أنها ليست مطالبة بإلغاء الكتاب والقلم، بل تحتاج إلى منظومة تعليمية تعرف متى تكون الشاشة أداةً للمعرفة، ومتى يكون الكتاب أكثر ملاءمة، ومتى يصبح القلم وسيلةً ضرورية لترسيخ التعلّم.
ففي نهاية المطاف، ليست قيمة التعليم في الأداة التي يحملها الطالب بين يديه، وإنما في ما تتركه تلك الأداة في عقله من معرفة، وفي شخصيته من وعي، وفي قدرته على التفكير والتعلّم والاستمرار في طلب العلم.
وربما تكون العودة إلى الكتاب والقلم، ولو جزئيًا، ليست عودةً إلى الوراء، بل إعادةَ توازنٍ لمسيرة التعليم نحو المستقبل.



