سقوط الكفاءات.. مسؤولية بيئة لا مسؤولية فرد

بقلم : نوال السعد
سقوط الكفاءات في المؤسسات لا يكون دائمًا بسبب ضعف الكفاءة نفسها؛ فأحيانًا يبدأ حين تُحارَب، وتُستنزَف، ثم تُترك لتسقط.
وهذه ليست حالة فردية، بل ظاهرة مؤسسية ومجتمعية تتكرر في كثير من القطاعات الحكومية والخاصة، وتستحق التوقف عندها بجدية؛ لأنها تمس رأس المال البشري، الذي يمثل أحد أهم أسس التنمية والاستدامة.
*أولًا: التشخيص.. كيف تُسقَط الكفاءة؟*
الكفاءة لا تسقط بقرار واحد، بل نتيجة تراكم ممارسات خاطئة عبر أكثر من محور:
1. محور تشويه الثقة
من خلال نشر الإشاعات، وتشويه العلاقات المهنية، ونقل صورة مجتزأة عن أداء الكفاءة إلى الإدارة العليا. وتُعد هذه من أخطر الممارسات؛ لأنها تضرب رأس المال الحقيقي للكفاءة: ثقة القيادة بها.
1. محور التضييق المنهجي
يبدأ بسحب الصلاحيات تدريجيًا، وحجب المعلومات، والإقصاء من دوائر صنع القرار، ثم محاسبة الكفاءة على ضعف الإنجاز، رغم أن هذا الضعف قد يكون نتيجة طبيعية للتضييق نفسه.
1. محور الاستنزاف الإداري والمهني
وذلك بتحميل الكفاءة أعباءً تفوق طاقتها، أو وضعها في مواقف تتعارض فيها اللوائح مع الواقع العملي، ثم استغلال أي هفوة إجرائية لإضعاف موقفها أو إسقاطها مهنيًا.
وعندما تتقاطع هذه المحاور الثلاثة في بيئة عمل غير محصنة، تكون النتيجة خسارة كفاءة، لا بسبب ضعفها، وإنما لأن البيئة سمحت بإسقاطها.
*ثانيًا: الأثر المجتمعي.. الخسارة أكبر من موظف*
عندما تسقط كفاءة بهذه الطريقة، فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود المؤسسة، بل تمتد آثارها إلى المجتمع ككل:
* اقتصاديًا: هدر الاستثمار في التدريب والتطوير، وتعطل المشاريع، والحاجة إلى إعادة التوظيف والتأهيل من نقطة الصفر.
* مؤسسيًا: اهتزاز ثقة بقية الكفاءات، وخلق بيئة عمل قائمة على الحذر بدلًا من الإبداع، بما يحول المؤسسة من بيئة جاذبة إلى بيئة طاردة.
* مجتمعيًا: إحباط الطاقات الوطنية، ودفع الكفاءات المتميزة إلى الانسحاب أو البحث عن بيئات أكثر عدلًا وإنصافًا، بما يؤثر في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية.
*ثالثًا: الحلول المؤسسية.. من استقطاب الكفاءات إلى حمايتها*
إن المرحلة المقبلة من نضج المؤسسات تتطلب الانتقال من عقلية «استقطاب الكفاءات» إلى عقلية «حماية الكفاءات واستدامتها»، وذلك من خلال منظومة متكاملة:
1. على مستوى الأنظمة
* بناء نظام تقييم موضوعي قائم على مؤشرات أداء (KPIs) واضحة ومعلنة، بعيدًا عن الانطباعات والعلاقات الشخصية.
* تفعيل آليات تحقيق نزيهة ومحايدة قبل اتخاذ أي قرار يمس سمعة الكفاءة أو مسارها المهني.
* الفصل التام بين الخلافات الشخصية والتقييم المهني.
1. على مستوى بيئة العمل
* اعتماد سياسة صارمة تجاه الإشاعات والتحزبات، واعتبارها ممارسات سلوكية سلبية تضر ببيئة العمل.
* توفير قنوات تواصل آمنة ومباشرة بين الكفاءات والإدارة العليا.
* ترسيخ مفهوم الأمان النفسي والمهني بوصفه شرطًا أساسيًا للإبداع والابتكار.
1. على مستوى المهارات القيادية
المؤسسات اليوم لا تحتاج فقط إلى مدراء يجيدون إدارة المهام، بل إلى قيادات تمتلك ثلاث مهارات جوهرية:
* الإنصات العادل: القدرة على الاستماع إلى جميع الأطراف وتحليل المواقف بموضوعية، بعيدًا عن الانطباعات المسبقة.
* إدارة الديناميكيات الخفية: القدرة على قراءة شبكة العلاقات غير الرسمية واكتشاف الصراعات الخفية قبل تفاقمها.
* التمكين الحقيقي: منح الكفاءة الصلاحية والمعلومة والدعم اللازم قبل مطالبتها بتحقيق النتائج.
*خاتمة*
إن الحفاظ على الكفاءات ليس مهمة تقع على عاتق إدارة الموارد البشرية وحدها، بل هو ثقافة مؤسسية ومجتمعية تبدأ من القمة.
المنشآت العظيمة لا تسأل بعد الرحيل: لماذا استقال المبدع؟
بل تسأل قبل الرحيل: ماذا فعلنا لنحميه؟
الكفاءات الوطنية ثروة وطنية، وحمايتها مسؤولية مشتركة بين الوزارات والشركات والمؤسسات؛ لأنها الضمان الحقيقي لاستدامة الإنجاز، وتعزيز الإنتاجية، وبناء مؤسسات قادرة على المنافسة والاستمرار.
——————————-
نوال السعد
المملكه العربيه السعوديه
المنطقة الشرقيه -الدمام
@snaaa_team



