مقالات

‎وداعاً مهنة المتاعب.. ناصر مضحي الحربي يطوي صفحة الصحافة ويترك للكلمة فصلاً جديد! ..

‎بقلم/ عبدالعزيز العلياني

ثمة لحظات لا تشبه سواها؛ لحظات يقف فيها الإنسان أمام سنوات عمره، لا ليحصي ما مضى، بل ليتأمل ما تركه وراءه. وحين تكون الرحلة في الصحافة، فإن لحظة الوداع لا تكون عابرة؛ لأن الصحافة لا تسكن في المكاتب وحدها، ولا تنتهي بإغلاق غرفة الأخبار، وإنما تترك في صاحبها عيناً تلاحق التفاصيل، وذاكرة تحفظ الوجوه والأحداث، وقلباً اعتاد أن يعيش على إيقاع الخبر.

من هنا يأتي وداع الإعلامي والصحفي والكاتب الاجتماعي ناصر مضحي الحربي لـ«مهنة المتاعب» بوصفه خاتمة فصل طويل من حياته المهنية، أكثر من كونه مجرد مغادرة لوظيفة أو ابتعاد عن الميدان.

امتدت تجربته بين الصحافة الورقية والإلكترونية، والتنقل بين التحرير والمتابعة والتدقيق، وصولاً إلى الإشراف والتحرير وتأسيس وإدارة المنصات الإعلامية، بالتوازي مع اهتمامه بالتقنية والبرمجة والكتابة الاجتماعية والثقافية والشعر. إنها سيرة رجل دخل الصحافة من باب الشغف بالكلمة، ثم وجد نفسه في قلب صناعة الخبر وإدارة المحتوى وبناء المنصات، وعاصر التحول الكبير الذي نقل الإعلام من صفحات الورق إلى شاشات العالم المفتوحة.

بدأت علاقة الحربي بالصحافة من الكلمة، ومن ذلك الشغف الذي يدفع صاحبه إلى البحث عن الخبر والاقتراب من الناس ومحاولة فهم ما يدور حوله. ومع مرور الوقت، تحول الشغف إلى ممارسة، والممارسة إلى خبرة، والخبرة إلى مسؤولية.

وفي الصحافة الورقية، حيث كانت دورة الخبر أكثر هدوءاً، والكلمة تمر عبر مراحل متعددة قبل أن تصل إلى القارئ، تشكل جانب مهم من تجربته المهنية. وكانت محطات العمل في جريدة البلاد، وجريدة اليوم، ومجلة الشرق، ومجلة مزون الإماراتية، روافد أساسية في مسيرته، أتاحت له التعرف عن قرب على مدارس مختلفة في العمل الصحفي وأساليب التحرير ومعالجة الأخبار والموضوعات.

ولم تكن تلك المحطات مجرد أسماء في سيرة مهنية؛ فالصحافة مدرسة مفتوحة، يتعلم فيها الصحفي من التفاصيل بقدر ما يتعلم من العناوين. يتعلم أن الخبر ليس مجرد معلومة، وأن اختيار كلمة واحدة قد يغير دلالة النص بأكمله.

ومع تراكم الخبرة، انتقل الحربي إلى مساحة أكثر حساسية في العمل الإعلامي، حين تولى مهمة مدير المتابعة والتدقيق في صحيفة غرب الإخبارية. وهي مسؤولية تتطلب قدراً عالياً من الانتباه والدقة، لأن التدقيق يمثل إحدى أهم مراحل المراجعة التي تسبق وصول المادة إلى الجمهور.

في تلك المرحلة، أصبح الاسم والرقم والتاريخ والتفصيل مسؤولية مهنية، وأصبح الخطأ الصغير أمراً لا يمكن التعامل معه باستخفاف. فالصحافة ليست سباقاً مع الزمن فحسب، وإنما سباق مع الخطأ أيضاً.

ومن هذه التجربة انتقل إلى مستوى أوسع من المسؤولية، حين تولى الإشراف العام والتحرير في صحيفة وقع الحدث الإخبارية، ليقترب أكثر من صناعة القرار التحريري وإدارة المحتوى ومتابعة التفاصيل التي ترسم هوية المؤسسة الإعلامية.

وفي عصر الإعلام الإلكتروني، أصبحت هذه المسؤولية أكثر تعقيداً؛ فالخبر لا ينتظر الطبعة التالية، والحدث قد يتغير خلال دقائق، والجمهور حاضر على مدار الساعة. ومن هنا تبرز المعادلة الصعبة التي تواجه الصحفي: السرعة دون استعجال، والحضور دون انفعال، ومواكبة الحدث دون التضحية بالدقة.

وفي مرحلة أخرى من مسيرته، ارتبط اسم الإعلامي ناصر الحربي بتأسيس وإدارة صحيفة بيان الإعلامية، وهي محطة مختلفة؛ لأن تأسيس منصة إعلامية يعني الانتقال من ممارسة العمل الصحفي إلى المشاركة في صناعة البيئة التي يمارس فيها هذا العمل.

فالمؤسسة الإعلامية لا تبدأ من لحظة نشر الخبر، وإنما من الفكرة والهوية والرؤية التحريرية، ثم تمتد إلى الإدارة والمحتوى والتقنية والجمهور، وصولاً إلى القدرة على الاستمرار في سوق إعلامية شديدة التنافس.

وهنا يظهر أحد الجوانب المميزة في تجربة الحربي، وهو الجمع بين الصحافة والتقنية؛ إذ يمتلك خبرة في الدعم الفني لأنظمة إدارة المحتوى الإلكترونية، إلى جانب احترافه البرمجة بلغة PHP، وحصوله على الشهادة المهنية من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام برقم 553344.

كما تعزز حضوره المهني بعضويته في اتحاد الصحفيين العرب برقم 143684، وهي محطات تضيف إلى تجربته بعدها المهني والمؤسسي.

لم تكن المعرفة التقنية بعيدة عن عمل الحربي الإعلامي، بل شكلت جزءاً من فهمه للمنظومة التي أصبحت الصحافة الحديثة تعتمد عليها. فالخبر في زمن الإعلام الرقمي لم يعد نصاً فقط، بل أصبح جزءاً من نظام متكامل يبدأ من جمع المعلومة، ويمر بالتحرير والمراجعة، ثم ينتقل إلى النشر الإلكتروني والتحديث والتفاعل والوصول إلى الجمهور.

ومن يجمع بين المهارة الصحفية والمعرفة التقنية يستطيع النظر إلى المشهد من زاوية أوسع؛ فهو يفهم المادة الإعلامية، ويفهم في الوقت ذاته الأدوات التي تحملها إلى القارئ. وهذا الجمع بين المجالين يعكس قدرة الحربي على مواكبة التحولات التي فرضها العصر الرقمي على المهنة، حيث لم يعد الصحفي مطالباً بإجادة الكتابة وحدها، بل أصبح بحاجة إلى فهم الوسيلة التي تحمل هذه الكتابة إلى الجمهور.

غير أن الصحافة والتقنية لا تختصران المشهد كله. فهناك جانب إنساني وفكري في تجربة الحربي يظهر من خلال اهتمامه بالكتابة الاجتماعية والثقافية.

في هذه المساحة تتحول الصحافة من نقل الخبر إلى قراءة المجتمع، ومن سرد الواقعة إلى محاولة فهم أسبابها ودلالاتها وانعكاساتها. فالكاتب الاجتماعي لا يكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟ بل يبحث عن سؤال أعمق: ماذا يعني ما حدث؟ وكيف يمكن أن يؤثر في الناس؟ وماذا يكشف عن التحولات التي يعيشها المجتمع؟

ولهذا كانت الكلمة حاضرة في تجربة الحربي بأكثر من صورة؛ فهي في الصحافة خبر ومعلومة، وفي المقال موقف ورؤية، وفي الكتابة الاجتماعية قراءة للواقع، وفي الشعر إحساس وتأمل.

وإلى جانب الصحفي والإعلامي، يحضر الشاعر الذي يمنح الكلمة مساحة أخرى، أكثر هدوءاً وأقرب إلى الوجدان؛ فالشعر يفتح أبواباً لا تستطيع اللغة الخبرية الوصول إليها بسهولة، إلى الإحساس والخيال والذاكرة والأسئلة التي لا تبحث دائماً عن إجابة مباشرة.

وبذلك تبدو تجربة الحربي مع الكلمة متعددة الوجوه، لكنها تلتقي في نقطة واحدة: الإيمان بأن الكلمة قادرة على صناعة الأثر.

على الرغم من اختلاف الأدوار والمسميات، ظل الرابط الأساسي بين جميع هذه المحطات هو الصحافة؛ المهنة التي عرفها الحربي من الداخل، وعاش تفاصيلها اليومية، واختبر ضغوطها، وعرف أن ما يصل إلى القارئ في دقائق قد يكون وراءه ساعات من البحث والمراجعة والمتابعة.

ولهذا لم يكن وصف الصحافة بأنها «مهنة المتاعب» مجرد عبارة عابرة، وإنما تعبيراً عن واقع عاشه العاملون في الميدان طويلاً. فالصحفي لا يختار دائماً وقت الحدث، ولا يملك دائماً رفاهية الانتظار. عليه أن يكون حاضراً عندما تقع القصة، وأن يبحث عن المعلومة ويتأكد منها ويكتبها ويراجعها، ثم يضعها أمام الجمهور ويتحمل مسؤوليتها.

ومن هنا يكتسب مقال الحربي «وداعاً مهنة المتاعب وسلاماً على الذين بقوا خلف العناوين!» الذي نشره في صحيفته وقع الحدث  مؤشر الى دلالة خاصة؛ فهو ليس مجرد عنوان عن الرحيل، بل وقفة مع المهنة ومع أولئك الذين ظلوا خلف المشهد.

فالذين «بقوا خلف العناوين» هم الصحفي والمحرر والمصور والفني والمدقق والمتابع، وكل من يضع جزءاً من وقته وجهده في صناعة مادة تصل إلى القارئ.

وإذا كان الوداع يحمل شيئاً من الحزن، فإنه يحمل أيضاً شيئاً من الامتنان؛ امتناناً لسنوات صنعت الخبرة، ولأشخاص عبروا الطريق، ولأحداث تركت أثرها في الذاكرة، وللحظات شعر فيها الصحفي أن الكلمة التي كتبها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت جزءاً من قضية أو قصة أو ذاكرة مرحلة.

مغادرة الصحافة لا تعني بالضرورة مغادرة روح الصحافة. فالصحفي الذي عاش سنوات طويلة في الميدان لا يستطيع أن يخلع عين الصحفي كما يخلع بطاقة العمل؛ تبقى التفاصيل تلفت انتباهه، وتبقى الأسئلة حاضرة، وتظل الأحداث تستدعي تلك الرغبة القديمة في معرفة ما وراء الصورة.

وهذه إحدى المفارقات الجميلة في تجربة الحربي؛ فقد بدأ من الكلمة، ثم أخذته الكلمة إلى الصحافة، وأخذته الصحافة إلى الإدارة والتقنية والمنصات، ثم عاد في النهاية إلى الكتابة والشعر والتأمل.

إنها رحلة غنية بالتقاطعات: صحافة وتقنية، خبر ومقال، إدارة وكتابة، منصة وشعر. وكل محطة أضافت شيئاً إلى التجربة، حتى أصبح من الصعب النظر إلى مسيرته من زاوية واحدة.

فهو صحفي خبر الميدان، ورئيس تحرير عرف مسؤولية القرار، ومدير متابعة وتدقيق أدرك قيمة التفاصيل، ومؤسس منصة إعلامية اقترب من كواليس صناعة المؤسسة، وتقني تعامل مع أنظمة إدارة المحتوى، ومبرمج يمتلك معرفة بلغة PHP، وكاتب اجتماعي وثقافي، وشاعر يجد في الكلمة مساحة أخرى للبوح.

لقد عاصر الحربي انتقال الصحافة من الورق إلى الشاشة، وشهد كيف أصبح الخبر الذي كان يحتاج إلى دورة نشر كاملة يصل إلى القارئ في لحظته، وكيف تحول الجمهور من متلقٍ إلى طرف حاضر في النقاش، وكيف أصبحت التقنية جزءاً لا ينفصل عن صناعة المحتوى.

وفي قلب هذه التحولات يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للصحفي أن يحافظ على جوهر المهنة في زمن السرعة؟

الإجابة ليست في التكنولوجيا وحدها، ولا في كثرة المنصات، وإنما في المهنية التي تظل ثابتة مهما تغيرت الوسائل: التحقق، والدقة، والموضوعية، والمسؤولية، واحترام عقل القارئ.

ومن هنا يمكن النظر إلى وداع الحربي للصحافة باعتباره نهاية مرحلة لا نهاية علاقة. فالمهنة قد تتوقف، لكن الخبرة تبقى. والمنصة قد تتغير، لكن المعرفة التي تراكمت لا تزول. والعنوان قد يختفي من الصفحة الأولى، لكن أثره قد يبقى في ذاكرة من قرأه.

إن سيرة الإعلامي  ناصر مضحي الحربي في جوهرها ليست سيرة مناصب، وإنما سيرة تحول مستمر؛ من صحافة الورق إلى الإعلام الرقمي، ومن الكتابة إلى التدقيق، ومن الممارسة إلى الإدارة، ومن إدارة المحتوى إلى بناء المنصات، ومن الإعلام إلى التقنية، ومن الخبر إلى المقال، ومن صخب العناوين إلى هدوء الشعر.

وحين يترجل الصحفي عن صهوة «مهنة المتاعب»، فإنه لا يخرج منها خالي الوفاض؛ يحمل معه سنوات من التجربة، وذاكرة مليئة بالأحداث، ومعرفة لا تمنحها الكتب وحدها، وإحساساً خاصاً بالكلمة وبمسؤوليتها.

وقد يكون الوداع في ظاهره نهاية، لكنه في حياة الكاتب والصحفي كثيراً ما يكون بداية لنوع آخر من الحضور؛ حضور لا تحدده غرفة أخبار، ولا يرتبط بموعد صدور صحيفة، وإنما تصنعه الكلمة الحرة والتجربة المتراكمة والقدرة على النظر إلى الأشياء بعين مختلفة.

وفي النهاية، تبقى الصحافة واحدة من تلك المهن التي تترك أصحابها حتى بعد أن يتركوها. فهي تعلمهم الإصغاء قبل الكلام، والبحث قبل الحكم، والتثبت قبل النشر، والنظر إلى التفاصيل الصغيرة باعتبارها مفاتيح لقصص كبيرة.

وحين يطوي  الإعلامي البارع ناصر مضحي الحربي صفحة من صفحات هذه الرحلة، فإن ما يطويه هو فصل الممارسة اليومية، لا الحكاية كلها. فالحبر قد يجف، والشاشة قد تنطفئ، والعناوين قد تتبدل، والصحف والمنصات قد تتغير، لكن الكلمة التي خرجت بصدق من صاحبها تملك قدرة نادرة على البقاء.

ولهذا فإن «وداعاً مهنة المتاعب» لا تبدو في نهاية المطاف كلمة فراق بقدر ما تبدو تحية أخيرة لرحلة طويلة؛ تحية لكل خبر كُتب، ولكل حقيقة تم البحث عنها، ولكل عنوان مرّ، ولكل زميل بقي خلف المشهد، ولكل قارئ منح الكلمة معناها.

فقد يغادر الصحفي المهنة، لكن المهنة لا تغادره؛ وقد يُسدل الستار على فصل من الرحلة، إلا أن الكلمة، بطبيعتها، لا تعرف الستار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى