مقالات

بيت الفنانين.. حكاية حلم لم ينطفئ

 

بقلم:   بدر شاكر الشيخ

ليست كل الحكايات التي تتوقف قد وصلت إلى نهايتها، وليست كل المشاريع التي تغادر المشهد قد أخفقت في تحقيق غايتها، فثمة مشاريع قد تنتهي رحلتها الأولى لكنها تظل تحتفظ بما يجعلها جديرة برحلة أخرى. فالأثر الذي تركته لا يمحوه الغياب، والفكرة التي صنعت ذلك الأثر قد تجد في إيمان جديد بها بداية تستحق أن تُروى. 

 

هذه حكاية بيت الفنانين بالمنطقة الشرقية، الكيان الذي انطلق من فكرة فردية، وكبر بجهود أصحابه، وفتح أبوابه للمواهب من مختلف الأعمار والمجالات الإبداعية، حتى جمع عشرات الفنانين والمبدعين، وامتد نشاطه إلى مدن عدة، قبل أن تتراجع فعالياته ويغيب عن المشهد، تاركاً وراءه تجربة تستحق أن تستعاد، وحلماً لا يزال يستحق فرصة أخرى. 

 

في عام 2019 بدأت الحكاية من مدينة الدمام بجهود مجموعة من الفنانين والمثقفين دون دعم أو رعاية. كانت الفكرة إيجاد كيان يجمع الفنانين والمواهب الشابة، ويمنحهم مساحة للتعبير والإبداع، ويربط بين أصحاب الخبرة والمواهب التي تبحث عن فرصة للظهور. 

 

ولم تكن الفكرة مجرد تجمع ثقافي وفني، بل بيتاً مفتوحاً لكل موهوب، سواء كان فناناً مخضرماً، أو شاباً يخطو خطواته الأولى، أو هاوياً يبحث عن فرصة لاكتشاف قدراته. وخلال مرحلة التأسيس والبدايات، أخذ البيت ينمو وتتسع دائرة المنضمين إليه، حتى جمع عشرات الأعضاء من كلا الجنسين، وتفرعت اهتماماته إلى أقسام شملت الثقافة والمسرح والسينما والموسيقى والرسم والتشكيل والخط العربي والزخرفة والنحت والحرف اليدوية والفنون الشعبية والإخراج والمونتاج والتصوير والبراعم. 

 

ومنذ تلك البدايات حرص البيت على أن يكون حضوره ملموساً أمام الجمهور فقدم أعمالاً مصورة، منها أوبريت “شمس العيد” وكليب “دولة عز” وفيلم “شهيد الوطن” بمناسبة اليوم الوطني السعودي 89 وأوبريت “أهلاً رمضان هل نورك” وامتد نشاطه إلى الفنون التشكيلية من خلال معرض للفنان عبد الستار الموسى وزوجته الفنانة الروسية ناتاليا ريدر، في خطوات عكست تنوع اهتمامات البيت واتساع مجالات نشاطه. 

 

ومن المحطات المهمة في مسيرته التي أسهمت في زيادة النمو، تعاونه مع المكتبة العامة بالدمام التي أتاحت له مساحة لممارسة الأنشطة وإقامة الفعاليات واحتضان المواهب. ولم يقتصر التعاون على إقامة المناسبات، بل شمل الورش والتدريبات التي ساعدت المواهب الشابة على تطوير قدراتها والتغلب على رهبة الوقوف أمام الجمهور. وخلال فترة التعاون مع المكتبة العامة، شارك البيت في احتفالية مجلة سيدتي بمناسبة ذكرى البيعة الخامسة تحت عنوان “الشباب ثروة وطن” مستعرضاً الطاقات الإبداعية التي احتضنها. 

 

كما أقام بالتعاون مع المكتبة حفلاً عكس تنوع أنشطته الثقافية والفنية، من خلال فقرات الغناء والعزف والتمثيل والشعر والفنون الشعبية، إلى جانب المعارض التشكيلية والبرامج المخصصة للأطفال التي شملت الرسم والألعاب والأنشطة الترفيهية. فكانت تجربة واعدة أثبتت أهمية توفير المساحة المناسبة للمواهب، فكم من موهبة كانت تحتاج فقط إلى مكان تتدرب فيه، وفرصة تقف من خلالها أمام الجمهور. 

 

لكن جائحة كورونا فرضت توقفاً اضطرارياً على الأنشطة، وأعاقت مشاريع كان البيت يعتزم تنفيذها بالتعاون مع المكتبة العامة في بداية عام 2020 منها أعمال مسرحية وسينمائية وفعاليات فنية وثقافية وأوبريتات، لتكون تلك إحدى المحطات الصعبة في مسيرته. 

 

ومع عودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها عاد البيت ليحتفل باليوم الوطني السعودي 91 في عام 2021 من خلال احتفال إبداعي متكامل أقيم على مسرح المكتبة العامة بالدمام، عكس ثراء التجربة وتعدد أوجه التميز في مشهد أعاد النشاط إلى الواجهة وأكد أن الحلم لا يزال حاضراً. 

 

ولم تكن العودة مجرد استئناف لما سبق، بل بداية مرحلة أكثر اتساعاً، إذ بدأت فكرة الفروع تتشكل، واتسع نطاق نشاط البيت ليشمل الخبر والجبيل وصفوى ودارين والأحساء، كما وصلت التجربة إلى المنطقة الغربية من خلال “بيت فنانين الحجاز” فيما بقيت بعض الفروع والأنشطة في العالم الافتراضي لعدم توفر مقرات ثابتة. 

 

وكانت الجبيل إحدى أبرز محطات هذا التوسع من خلال التعاون مع الهيئة الملكية ضمن مبادرة “الفن يجمعنا” التي أطلقتها إدارة الخدمات الاجتماعية. وقد أتاح هذا التعاون لفرع بيت الفنانين بالجبيل بيئة مناسبة لاحتضان المواهب وممارسة الأنشطة الثقافية والفنية. 

 

وتزامن التوسع في الجبيل مع محطة توقف أخرى في مسيرة البيت بالدمام، تمثلت في انتقال المكتبات العامة إلى وزارة الثقافة، وما ترتب عليه من توقف أنشطة بيت الفنانين في مكتبة الدمام، فيما واصل فرع الجبيل نشاطه من خلال التعاون مع الهيئة الملكية. 

 

وهناك وجد البيت فرصة لتقديم تجربة أكثر اتساعاً، حيث تعاون مع الهيئة الملكية في فعاليات يوم التأسيس بالجبيل الصناعية في عام 2022 من خلال المشاركة بالعزف والغناء الوطني والمعارض الفنية والجداريات وورش الرسم والخط العربي والحرف اليدوية، إضافة إلى ركن للأطفال والحناء والسيارات الكلاسيكية. 

 

كما شارك في فعاليات أخرى ليوم التأسيس بالتعاون مع إحدى الجهات الخاصة، وواصل حضوره من خلال المشاركة في معرض الزهور بالجبيل الصناعية، مقدماً معرضاً فنياً وأعمالاً في الرسم المباشر والخط العربي والحرف اليدوية. وشهد المعرض مشاركة 18 فناناً وفنانة من أعضاء البيت. وقد عكست هذه الصور حجم الطاقات التي استطاع هذا الكيان جمعها، والفرص التي أتاحها للمواهب كي تظهر وتقدم أعمالها للجمهور.

 

وبالتوازي مع نشاطه في الجبيل، كانت هناك تطلعات للتعاون مع جهات أخرى في الخبر والأحساء لتنفيذ أنشطة وفعاليات فنية وثقافية، إلا أن تلك المبادرات لم تكتمل ولم تجد طريقها إلى التنفيذ. ومع مرور الوقت بدأت الفعاليات تتراجع تدريجياً، حتى غاب البيت عن المشهد الذي اعتاد جمهوره أن يراه فيه.

 

وهنا تبرز المفارقة، فبيت الفنانين لم يكن مشروعاً لم يجد طريقه إلى الجمهور، ولم تكن تجربته مجرد فكرة لم تختبر على أرض الواقع. فقد جمع عشرات الأعضاء، وقدم أعمالاً فنية ووطنية، وأقام معارض وأمسيات، واحتضن مواهب شابة ومخضرمة، وامتد نشاطه إلى مدن متعددة، وخاض تجارب تعاون أثمرت حضوراً ومشاركات جماهيرية. 

 

لكن الكيانات الثقافية لا تستطيع الاستمرار بحماس مؤسسيها وحده مهما بلغ إخلاصهم، فهي تحتاج إلى مقر ثابت يجمع أنشطتها، وإمكانات تساعدها على التطور، ودعم يمنحها الاستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل. ولعل ما مر به البيت يطرح سؤالاً: كيف يمكن لكيان استطاع أن يجمع هذا العدد من المواهب ويحقق ذلك الانتشار أن يجد نفسه أمام صعوبة الاستمرار؟

 

ليس من الإنصاف أن تُقاس تجربة كهذه بمرحلة غيابها، دون النظر إلى ما قدمته في سنوات حضورها. فما تحقق يثبت أن الفكرة كانت قابلة للنجاح، وأن البيت امتلك مقومات الحضور، وأن ما يحتاج إليه اليوم ليس إعادة اختراع الفكرة، بل فرصة حقيقية لاستكمال ما بدأه. 

 

إن عودة البيت لا تعني إقامة فعاليات متفرقة فحسب، بل تعني إعادة إحياء مساحة ثقافية يمكن أن تستفيد منها أجيال من الفنانين والمبدعين، وتعود من خلالها الأنشطة والفعاليات. وهنا يأتي دور الجهات المعنية في احتضان مثل هذه التجارب، وتوفير مقر ثابت وبيئة حاضنة تتيح لهذه التجارب مواصلة أنشطتها وتطوير أعمالها. 

 

إن حكاية بيت الفنانين ليست مجرد حكاية تعثر، بل حكاية تجربة أثبتت قدرتها على العطاء، ثم وجدت نفسها أمام تحديات أكبر من إمكاناتها الذاتية. وهي أيضاً حكاية مواهب لا تزال موجودة، وفكرة تستحق أن تجد من يؤمن بها مجدداً. فقد تتغير الأماكن وتغيب الفعاليات وتطول فترات الصمت، لكن الأثر الذي تتركه التجارب الصادقة لا يختفي بسهولة. 

 

بعض البيوت لا تحتاج إلى من يسكنها بل إلى من يعيد فتح أبوابها. وبيت الفنانين لم يكن مجرد جدران تحتضن المواهب، بل كان فكرة جمعتهم ومنحتهم مساحة ليكونوا يداً واحدة تصنع أثراً يتجاوز حدود المكان. وربما حان الوقت لأن تجد هذه الفكرة من يحتضنها، فالمواهب لم تنتهِ، والشغف لم ينتهِ، وما زال في هذا البيت متسع لحلم يستحق أن يعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى