بين “بريق” الإعلان و”مستنقع” التفاهة.. من المسؤول

بقلم : علي حسن المفتاح
لم يعد خافياً على أحد أن المشهد الإعلاني اليوم بات يعيش حالة من “الفوضى”، حيث اختلط الحابل بالنابل، وتصدرت “المسرحيات الهابطة” واجهة المحتوى تحت ذريعة الترفيه وجذب الانتباه. والحقيقة التي يجب أن نواجهها بوضوح: أننا أمام فئة من المعلنين وصناع المحتوى ضربوا بالذوق العام عرض الحائط، مراهنين على “السطحية” كأقصر طريق للوصول إلى جيوب المستهلكين.
لقد تحول الإعلان من رسالة اتصالية ذكية، إلى مجرد “تهريج” مبالغ فيه، حيث يُستغل الضحك لتمرير محتوى يفتقر لأدنى معايير المصداقية. والمؤسف حقاً، أن البعض يعتقد واهماً أن التخفي خلف قناع “الكوميديا” يمنحه حصانة من الرقابة، أو يعفيه من استخراج التراخيص النظامية مثل “موثوق” وغيرها. ظناً منهم أن “الاستظراف” يبرر القفز فوق الأنظمة، والواقع أن هذا التذاكي لا يزيد المشهد إلا سوءاً وتراجعاً، ولا يورث المجتمع إلا ثقافة الاستسهال والابتذال.
ولكن، هل يقع اللوم على المعلن وحده؟
الإنصاف يقتضي أن نقول إن “الجمهور” هو الوقود الذي يغذي هذه الظاهرة. فبضغطة زر، وبإعجاب عابر، أو بمشاركة لمقطع تافه، نحن نمنح هؤلاء “شرعية وهمية” وثراءً فاحشاً لا يستحقونه. نحن من نصنع من “اللاشيء” نجوماً، ثم نتساءل بمرارة: لماذا انحدر الذوق العام؟
إن الحل لا يكمن فقط في سياط العقوبات القانونية -على أهميتها وصرامتها في مملكتنا- بل يكمن في سلاح نملكه جميعاً، وهو “سلاح التجاهل”. وكما أشار معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري؛ فإن الوعي هو خط الدفاع الأول، وأبلغ عقوبة لهؤلاء هي “الإماتة بالترك”.
ومع ذلك، فإن السلبية في مواجهة الإساءة هي تمكينٌ لها؛ لذا فإن ممارسة دورنا كمواطنين واعين تحتم علينا عدم الاكتفاء بالصمت، بل المبادرة بالإبلاغ عن كل محتوى يخدش الحياء أو يخالف الأنظمة الإعلامية أو يسيء للذوق العام عبر القنوات الرسمية والتطبيقات المخصصة. إن بلاغك اليوم ليس مجرد إجراء، بل هو حماية لأجيالنا وصيانة لهويتنا من عبث العابثين.
ختاماً، نحن لا نعمم؛ فالميدان لا يزال يزخر بكفاءات إعلانية وطنية تقدم محتوىً يرفع الرأس، ويحترم عقل المشاهد وقيمه. لكن “الخلل” يجب أن يُعالج قبل أن ينتشر ويزداد. المسؤولية اليوم مشتركة؛ فالمؤسسات مطالبة بالحزم، ونحن كجمهور مطالبون بالارتقاء بذائقتنا والحزم في بلاغاتنا. لنوقف صناعة “الأبطال الورقيين”، ولنجعل من قيمنا وذوقنا العام خطاً أحمر لا يقبل المساومة.



