جنودٌ لا يعودون بحجّ.. بل يعود الحجّ بهم

بقلم : نوال السعد
فاز ضيوف الرحمن بقبول حجّهم، وخرجوا من عرفة كيوم ولدتهم أمهاتهم، ذنوبهم مغفور، وقلوبهم مطهّرة، يحملون تكبيراتهم عائدين إلى ديارهم. مشهدٌ يهزّ الوجدان، وختامٌ يليق بمن وفد على بيت الله.
لكن خلف هذا الختام، يبقى مشهدٌ آخر تُسطّر فيه معاني الإيثار بماء الذهب.
يبقى جنود الحرم.
يبقى خدام بيت الله الذين لم يهتفوا “لبيك” على جبل، لكنهم رددوها ألف مرة في كل زقاق، وكل ممر، وكل لحظة عطش أو تعب.
هم الذين لم يطوفوا لأنهم كانوا سور الطائفين، ولم يسعوا لأنهم كانوا عصا المتعبين، ولم يقفوا بعرفة لأنهم كانوا ظلّ الواقفين.
لا يحملون إحرامًا أبيض، لكن قلوبهم أشد بياضًا.
لا يقفون على عرفة، لكن دموعهم تسبق دموع الواقفين شفقةً وخوفًا على ضيفٍ تعب أو حاجٍ تاه.
يبقى السقاء في عزّ الظهيرة، والطبيب في هدأة الليل، ورجل الأمن في زحام الجمرات، والمنظّف الذي يزيل أثر التعب قبل أن يراه أحد.
رجع الحاج إلى بلاده بذنبٍ مغفور،
وبقي خادم الحرم في مكانه.. لا يطلب مغفرة فوق مغفرة، ولا أجرًا فوق أجرٍ كتبه الله له في كل قطرة ماء قدّمها، وكل مريضٍ أسنده، وكل تائهٍ دلّه.
لا يلتقطون الصور، ولا ينتظرون شكرًا.. لأن أجرهم محفوظ عند من قال: “وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ”.
وخلف هؤلاء الجنود المجهولين، تقف دولة سخّرت إمكاناتها ومالها ورجالها لخدمة بيت الله وضيوفه.
منذ أن تشرفت المملكة بحمل لقب “خادم الحرمين الشريفين”، وهي تجعل خدمة الحاج والمعتمر وسامًا على صدرها. قيادةٌ ترى أن تعظيم شعائر الله يبدأ بتيسير وصول الناس إليه، وحمايتهم، وراحتهم، حتى يعودوا إلى ديارهم وقد قُضي نسكهم في أمنٍ وطمأنينة.
حكومةٌ تبني الجسور قبل أن تُبنى الجموع، وتفتح التوسعات قبل أن يضيق المطاف، وتدفع بالمليارات لا طلبًا لمجد، بل رجاءً لقبولٍ من الله.
من مشروعات توسعة الحرمين، إلى القطارات، إلى المستشفيات الميدانية، إلى آلاف الكوادر المدربة.. كل ذلك يقول: “أنتم ضيوف الرحمن، ونحن هنا لن نرضى أن ينقصكم شيء.”
وفيهم قيل:
يا خادم البيت يا من هان في خدمته
تعب الجسد، وارتقى عند الإله مقامه
لم تحمل الإحرام لكنّك لبّيته
في كل خطوة سعيت، وفي كل زحامٍ قامه
أنتم سيوفٌ بلا حدٍّ على التعبِ
وسقايةٌ للظمأ، والرحمةُ انسكابه
إذا مضى الحاج مغفورًا على رتبِ
بقيتم أنتم.. وفي بقائكم ثوابه
وتاج الفخر للقيادة التي بذلت:
قومٌ إذا ذُكر البيت العتيق لهم
حنّوا، فعمّروه بالبذل والإعمارِ
من مالهم، من رجالٍ، من مساعيهم
حتى غدا الحجّ يُسرًا بعد إعسارِ
يا حُكّامًا جعلوا “الخدمة” منزلةً
والبيت قبلةَ مجدٍ، لا مدى تجارِ
جزاكم الله عن ضيفٍ أتيت به
أجرًا يفوق مداد الحبر في الدارِ
هؤلاء جميعًا.. جنودًا كانوا أو قادة.. هم الحكمة التي تبقى بعد الزحام، والأثر الذي لا يمحوه رحيل الحجيج.
حين تغلق المخيمات، وتُرفع اللافتات، وتخلو الساحات.. تبقى قلوبٌ عامرة، وجباهٌ على الأرض، وخدمةٌ مستمرة، لأن ضيوف الرحمن قد يرحلون، لكن حرمة البيت لا ترحل.
الخاتمة:
لسان حالهم جميعًا يقول:
“فزتم أنتم بالقبول، ونحن فزنا بكم.
عدتم أنتم إلى أوطانكم مغفورًا لكم،
ونحن نبقى هنا.. نرجو أن نكون من الذين قُبل سعيهم في خدمة من أكرمهم الله بالقدوم.”
سلامٌ على خدام الحرم، وسلامٌ على من سخّر نفسه وماله لخدمتهم.
أنتم الحجّ الذي لا ينتهي،
وأنتم البرهان أن العظمة ليست في أن تُرى وأنت تعبد،
بل في أن تُنسى وأنت تخدم.. فيرضى عنك ربّ البيت.
نوال السعد
المنطقة الشرقية -الدمام
المملكة العربية المتحدة
@snaaa_team



