مقالات

متلازمة “النفق والسُّلّم”: لماذا يحترق المصلحون والقادة نفسيًا؟

بقلم /المستشارة ومدربة التطوير والاستدامة وجودة الحياة

في أعماق كل قائد، ومصلح، وصاحب طموح محمود، تشتعل رغبة عارمة في تغيير الواقع. نريد لخططنا أن تنجح بنسبة كاملة، ولقيمنا أن يتبناها كل من حولنا، ولذرارينا وأحبابنا أن يسيروا على الصراط المستقيم دون اعوجاج. هذا الشغف بالكمال هو الوقود الذي يدفعنا للأمام، لكنه – إذا لم يُضبط بميزان الحكمة – يتحول إلى فخّ هندسي قاتل يُدعى “متلازمة السيطرة المطلقة”.

قال الله عز وجل في كتابه الكريم: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

حينما يتجاوز الطموح حدود البشرية

تخيّل أنك تبذل أقصى ما تملك من طاقة ووقت لإقناع شخص ما برؤيتك، أو لإنقاذ مشروع يتهاوى بسبب ظروف خارجة عن إرادتك، أو لإصلاح مسار إنسان يُصرّ على الإعراض. عندما تعجز أدواتك المعتادة، يبدأ عقلك الإداري المحض بالدخول في حالة طوارئ مستحيلة؛ تبدأ بالبحث عن حلول إعجازية، تحاول حفر “نفق في الأرض” أو تشييد “سلم في السماء” لتأتي بالمعجزة التي تُغير الموقف.

هذا الإصرار ليس دائماً دليلاً على القوة، بل هو في كثير من الأحيان مؤشر على خلل فكري يُسمى “الاستنزاف في غير مَحلّه” أنت هنا تحاول خرق القوانين الكونية لتغيير ما لا تملكه أصلاً.

التشخيص الرباني وفك شفرة الآية

في واحدة من أعمق الومضات التوجيهية في القرآن الكريم، يتنزل العتاب الإلهي الرقيق والصارم على قلب النبي ﷺ ليضع حداً قاطعاً لهذا الاحتراق النفسي: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

هذه الآية ليست تقليلاً من شأن السعي، بل هي “هندسة لمحيط التأثير”. إنها تخبرنا أن “الجهل” الاستراتيجي هنا هو أن يجهل الإنسان او يتجاهل حدود قدرته البشرية، ويظن أن نتائج الهداية والنجاح هي مسؤوليته الشخصية، متناسياً أن “المشيئة الكبرى” و”الجمع” هو فعل إلهي محض ليس للبشر يد فيه!

ميزان القائد الحكيم: السعي لك والنتائج للجامع الله سبحانه!

الذكاء القيادي والوعي الذاتي يقتضي أن تقسم حياتك إلى دائرين:

1. الدائرة الأولى وهي “محيط التأثير الخاص بك”: وهو المساحة التي تملك فيها القرار والأداة (صلاتك، دعاؤك، بذل السبب، جودة عملك، توجيهك لبيتك). هنا يجب أن تضع 100% من طاقتك.

2. الدائرة الثانية وهي “محيط القلق الذي لا يخصك”: وهو المساحة التي تشمل ردود أفعال الناس، تقلبات الظروف، ومصائر الآخرين. هذه المساحة لا تملك أدواتها، والاستغراق فيها هو تشتيت للطاقة وتبديد للعمر.

عندما تصل بأدواتك البشرية إلى أقصى مدى ولا تجد استجابة، يحين وقت “التسليم الاستراتيجي”. توقف عن حفر الأنفاق وبناء السلالم المستحيلة، وارفع الملف كاملاً إلى “الواحد الأحد الفرد الصمد”، قائلاً بيقين: “يا حي يا قيوم، اجمعني وذريتي وأحبابي على الهدى”. أنت هنا تفك الارتباط بالقلق، لتتصل بصاحب المشيئة المطلقة.

نصيحة للمسار:

عظمتك كقائد لا تكمن في قدرتك على إجبار الكون ليتشكل وفق رغباتك، بل في تصالحك مع حقيقة أنك تملك “السعي” فقط، وأن “النتائج” هي محض فضل وتدبير رباني من رب العالمين سبحانه. فلا تحترق لأن الأمور لم تسر كما تشتهي، بل اطمئن لأنها تسير كما يشاء الحكيم سبحانه.

✨ومضة ختامية:

“إِنَّ قِمَّةَ النُّضْجِ الاسْتْرَاتِيجِيِّ أَنْ تَعْرِفَ أَيْنَ تَنْتَهِي حُدُودُ بَشَرِيَّتِكَ لِتَبْدَأَ مَشِيئَةُ الله عز وجل. لا تَحْفِرِ الأَرْضَ بَاحِثاً عَنْ أَنْفَاقِ التَّغْيِيرِ القَسْرِيِّ، وَلا تَمُدَّ سُلَّماً لِلسَّمَاءِ لِتَجْلِبَ الهِدَايَةَ بِنَفْسِك واساسا انت لا تستطيع؛ فَالقُلُوبُ لا يَجْمَعُهَا عَلَى الهُدَى إِلا ‘الجَامِعُ’ خالك الكون سُبْحَانَه. أَرِحْ قَلْبَكَ مِنَ المَحَاوَلاتِ المُنْهِكَة، فَأَنْتَ مُطَالَبٌ بِصِدْقِ المَسِيرِ.. لا بِخَلْقِ المَصِير”.

فاسالك يا الله الواحد الاحد الفرد الصمد ان تجمعني وذريتي واحبابي على الهدى ولا تجعلنا من الجاهلين.

د. سارة عبدالله عبدالعزيز المزيعل جميع الحقوق محفوظة ©️

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى