من حوش البيت إلى شاشة الجوال.. أين اختفت اللمّة

بقلم / حلا الخالدي
في زمنٍ مضى، لم تكن العائلة بحاجة إلى موعد مسبق كي تجتمع، ولا إلى رسالة في مجموعة إلكترونية تقول: «متى نتقابل؟».
كان هناك الحوش… مساحة بسيطة، لكنها كانت تتسع للجميع.
أب يجلس مع أبنائه، وأم قريبة منهم، والأطفال يلعبون حولهم، ودلّة القهوة في المنتصف، والأحاديث تمتد بلا موعد ولا نهاية.
الصورة التي تتداولها منصات التواصل الاجتماعي بعنوان: «ما كان عندنا قروب، كان عندنا حوش يجمع الأسرة… سقى الله ذيك الأيام»، ليست مجرد صورة من الماضي، بل تختصر حكاية جيل عاش البساطة قبل أن تتغير تفاصيل الحياة.
لم تكن الرفاهية هي عنوان تلك الأيام، لكن الاجتماع كان رفاهية بحد ذاته. كان القريب قريبًا بالفعل، والجار يعرف جاره، والأطفال يعرفون أبناء الحي، والمجالس تجمع أكثر مما تجمعه اليوم شاشات الهواتف.
وتشير كتابات اجتماعية حول الحنين إلى الماضي إلى أن استعادة تلك الذكريات ترتبط غالبًا بالشعور بالألفة والانتماء والترابط الاجتماعي، خصوصًا عندما يتذكر الإنسان أوقاتًا كان فيها محاطًا بالعائلة والأصدقاء.
من الحوش إلى الشاشة
اليوم تغيّرت الصورة.
أصبح لكل فرد عالمه الخاص، وهاتفه الخاص، ومجموعاته الخاصة. قد تجتمع الأسرة في المكان نفسه، لكن كل شخص يعيش في شاشة مختلفة.
لسنا أمام دعوة للعودة إلى الماضي بكل تفاصيله؛ فالحاضر منحنا الكثير من الراحة والفرص والتقنية. لكن السؤال الأهم هو:
هل أخذنا من التطور كل شيء، حتى دفء العلاقات؟
فالحنين الحقيقي ليس إلى جدران الطين، ولا إلى المكيف القديم، ولا إلى أدوات الماضي… بل إلى المشاعر التي كانت تسكن تلك الأماكن.
إلى أبٍ يجلس بين أبنائه دون أن تقاطعه إشعارات الهاتف.
إلى أمٍّ تجمع أبناءها حولها.
إلى أطفال يركضون في الحوش دون أن يعرفوا معنى «وقت الشاشة».
وإلى عائلة كان اجتماعها عادةً لا مناسبة.
وقد تناولت مقالات اجتماعية سعودية فكرة تراجع بعض صور التواصل العفوي بين الأقارب والجيران، مقابل ازدياد سرعة الحياة وتغير أنماط العلاقات الاجتماعية.
لسنا بحاجة إلى الماضي… بقدر حاجتنا إلى روحه
ربما لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نعيد بعضًا من جماله.
نغلق هواتفنا قليلًا، نجلس مع أهلنا، نزور قريبًا، نسأل عن جار، ونمنح أبناءنا فرصة ليعرفوا معنى الاجتماع الحقيقي.
فالحوش قد لا يعود كما كان، والبيوت تغيرت، والحياة أصبحت أسرع… لكن القلوب ما زالت قادرة على أن تجتمع.
وربما أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم:
سقى الله أيامًا لم تكن تملك كثيرًا… لكنها كانت تملك ما نفتقده اليوم: الوقت، والألفة، ودفء العائلة



