مقالات

سفره رمضانيه

بقلم / حلا الخالدي

كلُّ سنةٍ، ومع أوّل خيطٍ من نور المغرب، يجتمع أهلُ كلِّ بيتٍ حول سفرةٍ رمضانيةٍ دافئة. يجلس الأبُ والأمُّ في صدر المكان، وإلى جوارهما كبيرُ العائلة، وتفترش المائدة بأشهى الأطباق وألذِّ الحلويات. تتنوّع الأصناف، وتتعالى روائح الشوربة والسمبوسة، وتلمع أطباق التمر، بينما الصغار يترقّبون لحظة أذان المغرب بقلوبٍ متلهفة وعيونٍ تلمع شوقًا.

وما إن يصدح الأذان، حتى تمتدّ الأيدي بالدعاء قبل الطعام، وتتعانق النظرات بمحبةٍ صامتة. يتبادل الجميع أكواب العصير، ويحرص كلُّ واحدٍ أن يناول الآخر قبل نفسه، في مشهدٍ تختلط فيه البساطة بالحنان. تدور الأحاديث الخفيفة، وتتعالى الضحكات، فتغدو السفرة أكثر من مجرد طعام؛ تصبح مساحةً للدفء، وركنًا للطمأنينة، وذاكرةً تُكتب تفاصيلها كلَّ عام.

وبعد الإفطار والصلاة، يجلس الجميع حول التلفاز، تتوسّطهم القهوة، وتستمر السوالف حتى يغلبهم النعاس أو يناديهم السحور. تلك لحظاتٌ سنوية تتكرّر بكل الحب، لكنها في كل مرةٍ تبدو جديدة، لأنّ القلوب التي تجتمع عليها صادقة.

لكن، ماذا يحدث حين نفتقد الأبَ والأم؟

كيف ستكون سفرة رمضان؟

ستبقى المائدة عامرةً بالأطباق، وربما أشهى من قبل، غير أنّ شيئًا خفيًّا سيكون ناقصًا. ستغيب تلك النظرة الحانية، وذلك الصوت الذي يدعو لنا قبل أن يفطر، وتلك اليد التي كانت تمتدّ لتطمئنّ على الجميع. سنجلس حول السفرة نفسها، لكنّ الكراسي الفارغة ستحدّثنا عن فراغٍ أكبر في القلوب.

سفرة رمضان دون الأب والأم ليست ناقصة طعامًا، بل ناقصة مشاعر، ولمّة، ولحظاتٍ جميلةٍ اعتدناها كلَّ سنة. ومع ذلك، تبقى الذكريات زادًا يخفّف ألم الغياب، ويعلّمنا أن نحفظ ما بقي من العائلة، وأن نُحيي تلك الروح التي ربّونا عليها: روح المحبة، والعطاء، والاجتماع.

ففي النهاية، ليست السفرة بما عليها من أطباق، بل بمن حولها من أحباب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى