مقالات

نجمة رمضان… حكاية قلبٍ يصلح ما أفسده الزمن

 

بقلم : نوال السعد

في زاويةٍ هادئة من زوايا المسجد، حيث السكينة تلامس الأرواح قبل الآذان، تجلس نجمة كل عام مع قدوم شهر رمضان. امرأة بسيطة في مظهرها، عظيمة في أثرها، اتخذت من ذلك المكان مأوى لروحها وموعدًا متجدّدًا مع الطمأنينة.

هناك، عند أحد أعمدة المسجد، اعتادت أن تستند بهدوء، وكأن بينها وبينه حكاية قديمة لا يعرف تفاصيلها إلا الله. تمرّ السنوات، ويتغيّر كثير من الوجوه، لكن نجمة تبقى في مكانها، حاضرةً بصفاء قلبها، وابتسامتها التي تشبه الدعاء الصامت.

لم يكن ما تفعله عملاً كبيرًا في نظر الناس، لكنه في ميزان المعاني أعمق من أن يُقاس. فقد كانت تعتني بذلك العمود وكأنه جزء من ذاكرتها، قطعة من زمنٍ مضى، أو شاهدٌ صامت على قصةٍ عاشتها. يعرفها رواد المسجد، ويعرفون ابنها، الذي ارتبط اسمه بذلك المكان كما ارتبط قلب أمه به، حتى أصبح العمود جزءًا من حكايةٍ إنسانية تختلط فيها مشاعر الأمومة بالإيمان والوفاء.

لكن سرّ نجمة لم يكن في العمود، بل في القلب الذي يحمله. فقد كانت تزرع حولها معنى الإصلاح دون أن تتحدث عنه كثيرًا. حضورها الهادئ يذكّر الناس بأن القلوب يمكن أن تُرمَّم كما تُرمَّم الأشياء، وأن الرحمة قد تبدأ من فعلٍ بسيط لكنه صادق.

ومع كل رمضان، تتجدد الحكاية. يجلس المصلون، يرفعون أكفّهم بالدعاء، وتبقى نجمة في زاويتها، كأنها تقول بصمتها إن الخير لا يحتاج ضجيجًا، وإن أعظم الأثر قد يصنعه إنسان بسيط بقلبٍ مخلص.

إن قصة نجمة ليست عن عمودٍ في مسجد، بل عن إنسانٍ جعل من البساطة رسالة، ومن الصبر نورًا، ومن رمضان موعدًا للإصلاح والتراحم.

ولعل الله، الذي يرى صدق القلوب قبل أعمالها، يبدّل ذلك العمود الذي أحبته في دنياها بعمودٍ من عُمُد الجنة، تستند إليه في ظلّ الرحمة، عند سدرة المنتهى، حيث لا تعب ولا حزن… بل سكينةٌ خالدة ونورٌ لا ينطفئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى