مقالات

فتنة السوشل ميديا تبدأ من اللي يفسّره!

 

بقلم : علي حسن المفتاح

كلمة تُنشر بضغطة زر، وصورة تُفسَّر بعشرات النوايا، لم يعد سوء الظن مجرد فكرة عابرة… بل صار سلوكًا يوميًا يختبئ خلف الشاشات، ويُفسد ما بين القلوب دون أن نشعر.

نرى مقطعًا أو نقرأ عبارة، فإذا بالبعض يسارع إلى “تفصيلها” على نفسه، وكأنها كُتبت لأجله، أو وُجّهت ضده. يتأملها بعين الريبة، ويُلبسها نية لم تُذكر، ثم يبني عليها موقفًا، وربما خصومة. وهنا تبدأ المشكلة… ليس في ما قيل، بل في كيف فُهم.

لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد. فهناك فئة أخرى لا تكتفي بسوء الظن لنفسها، بل تُمارس دورًا أخطر: دور “المفسّر” الذي يُشعل الفتنة بين الناس.
تجد أحدهم يقول بثقة: “أكيد يقصد فلان”، أو “واضح الكلام عن فلانة”، وكأنه يملك مفاتيح النوايا وخفايا القلوب. يزرع الشك، وينقل الكلام، ويُحمّل العبارات ما لا تحتمل، ثم يمضي… تاركًا خلفه قلوبًا متباعدة، وعلاقاتٍ تتآكل بصمت.

هؤلاء لا ينقلون حقيقة، بل يصنعونها. لا يُطفئون خلافًا، بل يُشعلونه.
بدل أن يكونوا “محضر خير”، يصبحون وقودًا للفتنة، يوسّعون دائرة الشك، ويُغذّون سوء الفهم بين الناس.
والمؤلم أن بعضهم يفعل ذلك بدافع الفضول، أو حب الظهور، أو حتى التسلية… دون إدراك أن كلمة واحدة قد تهدم علاقة سنوات.

ديننا الحنيف وضع لنا قاعدة تحفظ القلوب من هذا العبث الداخلي والخارجي. يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12] وجاء في الأثر: “احمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا”، وهي دعوة إلى البحث عن العذر قبل الاتهام، وعن النية الحسنة قبل إساءة الفهم، لا أن نبحث عن التأويل الأسوأ ثم ننشره.

ولعل المثل الشعبي يلخص الحالة ببساطة موجعة:
“اللي على راسه بطحة يتحسسها”
لكن الأخطر من ذلك، هو من يُشير إلى “البطحة” في رأس غيره، ويُقنعه بوجودها، ويزرع في داخله الشك.

الحقيقة أن كثيرًا من هذه المواقف لا تحتاج كل هذا التعقيد.
الحل أبسط مما نظن… وأقرب مما نتصور.

بدل أن نفسّر ونخمّن ونبني سيناريوهات، لماذا لا نسأل؟
لماذا لا نتواصل مباشرة مع صاحب المنشور أو الفيديو، ونستفسر عن مقصده بكل وضوح واحترام؟
سؤال صريح قد يختصر طريقًا طويلًا من الظنون، ويغلق باب فتنة قبل أن يُفتح.

هذا السلوك ليس ضعفًا، بل وعي ونضج.
أن تذهب إلى المصدر بدل أن تدور في دائرة التأويل، وأن تبحث عن الحقيقة بدل أن تتغذى على الاحتمالات.

وبعد ذلك، مهما كان المقصد… يبقى دورنا أكبر من مجرد الفهم.
واجبنا أن نكون “محضر خير” لا “ناقل كلام”.

إن كانت هناك مشكلة، فلنساعد في حلها.
وإن كان هناك خلاف، فلنقرّب وجهات النظر.
وإن احتاج طرفان إلى من يجمع بينهما، فلنكن ذلك الجسر الذي يعيد الوصل بدل أن يوسّع الفجوة.

هذا هو المأمول منا كمسلمين… لا أن نكون وقودًا للخلاف، بل أدوات إصلاح.
لا أن نُضخّم الكلمات، بل أن نُطفئ أثرها إن أساءت.

كم من خلاف انتهى بكلمة طيبة وكم من قطيعة عادت بخطوة صادقة وكم من سوء فهم تلاشى حين حضر العقل وغابت الظنون.

نحن بحاجة إلى ثقافة مختلفة
ثقافة تسأل قبل أن تحكم وتفهم قبل أن تنقل وتُصلح قبل أن تُفسد.

تبقى القلوب هي الميدان الحقيقي , فإن صلحت، صلح كل شيء حولها , وإن امتلأت بالظن فلم ينفع معها وضوح الكلام.

فلنُصفِّ قلوبنا، ولنُحسن نوايانا، ولنختر أن نكون أهل صلحٍ لا أهل فتنة…
فالحياة أقصر من أن نعيشها في ظنون، وأجمل من أن نفسدها بكلمة كان يمكن أن تُقال بشكلٍ أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى