مقالات

فقد السيطرة في المجتمع: حين تختل الموازين

ب قلم / حلا الخالدي

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة بشكل غير مسبوق، أصبح الحديث عن “فقد السيطرة” في المجتمع أمرًا يفرض نفسه بقوة. لم يعد الأمر مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى واقع يلمسه الفرد في تفاصيل حياته اليومية، سواء على مستوى السلوك، أو العلاقات، أو حتى في اتخاذ القرارات.

فقد السيطرة لا يعني الفوضى الظاهرة فقط، بل يشمل أيضًا حالة داخلية من الارتباك والتشتت يعيشها الإنسان. حين يفقد الفرد القدرة على ضبط انفعالاته، أو توجيه طاقاته، أو التمييز بين الصواب والخطأ، فإنه يصبح جزءًا من دائرة أوسع من الخلل المجتمعي.

ومن أبرز مظاهر هذا الفقدان، انتشار السلوكيات الاندفاعية، وغياب الحوار الهادئ، وسيطرة ردود الفعل السريعة بدل التفكير العميق. وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميتها، ساهمت في تضخيم هذه الحالة، حيث أصبح الرأي يُطرح بلا تمحيص، والنقد يتحول إلى هجوم، والاختلاف إلى صراع.

كما تلعب الأسرة دورًا محوريًا في هذه القضية. فحين تضعف أسس التربية، أو يغيب التوازن بين الحزم والاحتواء، ينشأ جيل يفتقر إلى مهارات التحكم الذاتي. والمدرسة كذلك، حين تركز على التعليم دون التربية، تساهم بشكل غير مباشر في تعميق الفجوة.

ولا يمكن إغفال الضغوط النفسية والاقتصادية، التي تثقل كاهل الأفراد وتدفعهم أحيانًا إلى الانفجار أو الانسحاب. فالفرد الذي يعيش تحت ضغط دائم، دون دعم أو تفريغ صحي، يكون أكثر عرضة لفقدان السيطرة.

لكن، ورغم قتامة الصورة، يبقى الأمل قائمًا. استعادة السيطرة تبدأ من الوعي؛ وعي الفرد بذاته، بمشاعره، وبمسؤولياته. كما تحتاج إلى تفعيل دور الأسرة، وتعزيز القيم، ونشر ثقافة الحوار، وتوفير بيئات داعمة نفسيًا واجتماعيًا.

في النهاية، المجتمع ليس كيانًا منفصلًا عن أفراده، بل هو انعكاس لهم. فإذا استعاد الفرد توازنه، عاد المجتمع إلى مساره. فالسيطرة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالوعي، وتُحفظ بالقيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى