رواد الفن التشكيلي.. خبرات وطنية تستحق العودة إلى المشهد الثقافي

بقلم : وداد المنيّع
يُعد الفن التشكيلي أحد أهم روافد الثقافة الوطنية، فهو ليس مجرد لوحات وألوان، بل لغة بصرية تُسهم في تشكيل الذائقة الجمالية، وتنمية الحس الإبداعي، وترسيخ الهوية الثقافية للمجتمعات. ومن هنا، فإن تربية الإنسان فنيًا تبدأ من تنمية قدرته على إدراك الجمال وفهم عناصره، وهي مهمة لا ينهض بها إلا الفنانون الرواد الذين صنعوا التجربة التشكيلية وأسهموا في تأسيسها.
وعلى امتداد عقود، قدمت المملكة العربية السعودية أسماءً بارزة كان لها دور ريادي في بناء الحركة التشكيلية، وأسهمت في نقل الفن من نطاق الهواية إلى فضاء الاحتراف، ومن أبرزهم الفنان عثمان الخزيم، والفنان فهد الربيق، إلى جانب نخبة من فناني ونحاتي الدوادمي وغيرهم من المبدعين الذين تركوا بصمات لا تزال حاضرة في ذاكرة الفن السعودي.
ورغم هذه المسيرة الثرية، يبرز اليوم تساؤل مشروع: أين هؤلاء الرواد من المشهد التشكيلي الحالي؟ وأين المبادرات التي تستثمر خبراتهم وتجاربهم في إعداد جيل جديد من الفنانين؟ إن غياب هذه القامات الفنية لا يمثل خسارة لأصحابها فحسب، بل خسارة للمشهد الثقافي بأكمله، الذي يحتاج إلى الخبرة المتراكمة بقدر حاجته إلى الطاقات الشابة.
ومن اللافت أن كثيرًا من محبي الفن التشكيلي يبذلون جهودًا فردية لجمع الفنانين والتواصل معهم عبر المنصات الرقمية، في حين تبقى هذه المبادرات محدودة التأثير إذا لم تجد دعمًا مؤسسيًا يضمن استمراريتها ويحولها إلى برامج ومشروعات ثقافية فاعلة. فالمشهد الفني يحتاج إلى رؤية واضحة تعيد الرواد إلى واجهة النشاط التشكيلي، وتوفر لهم منصات لنقل تجاربهم وإلهام الأجيال الجديدة.
وتزخر المملكة بمواهب فنية تمتد من القطيف وسيهات شرقًا إلى قرية المفتاحة في عسير، مرورًا بمختلف مناطق الوطن. وهذه الطاقات تستحق أن تجتمع تحت مظلة وطنية واحدة تعزز التواصل بين الفنانين، وتدعم تبادل الخبرات، وتوثق الإرث التشكيلي السعودي، بما يحفظ منجزاته ويضمن استمراريتها.
كما أن تكريم الفنانين الرواد في حياتهم يمثل رسالة تقدير مستحقة لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الفن والثقافة، فالتكريم الحقيقي هو الذي يمنحهم المكانة التي يستحقونها وهم بيننا، ويتيح للمجتمع الاستفادة من علمهم وخبراتهم، بدلاً من الاكتفاء برثائهم بعد الرحيل.
إن المرحلة الحالية، بما تشهده المملكة من نهضة ثقافية غير مسبوقة في ظل رؤية السعودية 2030، تمثل فرصة مثالية لإطلاق مبادرات وطنية تعيد الاعتبار للرواد، من خلال إقامة الملتقيات، وتنظيم المعارض الاستعادية، وإعداد برامج تدريبية وورش عمل يشرف عليها الفنانون المخضرمون، إضافة إلى تطوير مناهج تعليمية تعزز الثقافة البصرية وتنمي المهارات الفنية لدى الناشئة.
إن إثراء الساحة التشكيلية بعمالقتها ليس مجرد تكريم للماضي، بل استثمار للمستقبل، فوجودهم يسهم في ترقية الإدراك الحسي، وبناء لغة بصرية راقية، وترسيخ القيم الجمالية في المجتمع، بما يحد من مظاهر الأمية البصرية، ويعزز مكانة الفن بوصفه أحد أهم أدوات بناء الإنسان وصناعة الوعي.
ويبقى الأمل أن تتكاتف الجهود الرسمية والثقافية لإعادة هؤلاء الرواد إلى قلب المشهد الفني، ليواصلوا رسالتهم في الإبداع والعطاء، ويكونوا جسرًا يربط بين أصالة التجربة التشكيلية السعودية ومستقبلها الواعد، تحقيقًا لشعار يستحق أن يكون عنوانًا للمرحلة: همة حتى القمة.
…………..
وداد المنيع
المنطقه الشرقيه -الظهران
المملكة العربيه السعوديه
@qwertyfuiop



