مقالات

علاقتنا بالضياع

 

بقلم : رغد سعيد الغامدي

حين توقّفنا عن الضياع في المدن، بدأنا نفقد شيئاً من قدرتنا على معرفتها.
ابى لقلمي الا ان يفكر بصوت عالي
استمع لإذاعة الصباح خلف مقود السيارة توقف عني الانترنت اضطررت للعودة والحمدلله لم ابتعد كثيراً حتى عاد الاتصال واكملت المسير استشعرت نعمة البديهة وسرعة الحفظ افتقدها تاملت يوماً شوارع مدينة اقطنها اعوام تأمل المغترب او السائح فقط لاني بالقرب من نافذة مقعد الراكب اتذكر وقت السماح بقيادة المرأة عهدتني على خرائط رقمية جميع تحركاتي ..لم انظراً بعيداً فمشوار واحد مع ابي كفيل بإثبات انه قبل الخرائط الرقمية كان الوصول إلى مكان جديد يتطلب قدراً صغيراً من البحث والملاحظة. كان عليهم حفظ معالم الطريق..المسجد عند الزاوية، المبنى الطويل، محطة الوقود، الشجرة الكبيرة، أو الإشارة التي يأتي بعدها المنعطف.

لم تكن أسماء الشوارع ضرورية ، لكن كان هناك بناء ما يسميه علماء الإدراك (الخريطة المعرفية)أي التمثيل الذهني للمكان والعلاقات بين أجزائه والفكرة أقدم من الهواتف بكثير.

في أربعينيات القرن الماضي، استخدم عالم النفس إدوارد تولمان مفهوم (الخريطة المعرفية) ليشرح كيف يمكن تكوين معرفة بالمكان تتجاوز مجرد حفظ سلسلة من التعليمات. وبعد عقود، أصبح فهم الطريقة التي يمثل بها الدماغ المكان واحدة من أهم موضوعات علم الأعصاب. المثير أن الدماغ لا يتعامل مع المكان كخلفية صامتة هناك منظومة عصبية تساعدنا على معرفة أين نحن؟ وإلى أين نتجه؟ وكيف ترتبط الأماكن بعضها ببعض؟
في عام 2014 مُنحت جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء إلى ثلاث علماء جون أوكيف وماي موزر و اودفارد موزر لاكتشافاتهم المتعلقة بالخلايا التي تكوّن نظاماً لتحديد المواقع في الدماغ اكتشف أوكيف ما عُرف بـ خلايا المكان ثم اكتشف الزوجان موزر خلايا الشبكة، وهي اكتشافات ساعدت العلماء على فهم جزء من الآلية العصبية التي تسمح لنا بتمثيل المكان والتنقل خلاله…

فالإنسان لا يتوقف عن اختراع أشياء تتذكر نيابة عنه..

أصبح الوصول إلى الأماكن أسهل، بينما أصبحت حاجتنا إلى فهم الأماكن أقل.

عندما يخبرنا الهاتف أن ننعطف يميناً بعد مئتي متر، لسنا مضطرين إلى معرفة أين يقع الشرق أو ما اسم الشارع الذي نسير فيه أو كيف يرتبط هذا الحي بالحي المجاور يكفينا أن نطيع النقطة الزرقاء.

وتشير دراسات في الإدراك المكاني إلى أن الاعتماد المستمر على الملاحة خطوة بخطوة يمكن أن يقلل مقدار المعرفة المكانية التي نبنيها أثناء الرحلة مقارنة بالتنقل الذي يتطلب منا الانتباه إلى البيئة وتكوين صورة ذهنية عنها.

ليست أن الخرائط (تفسد الدماغ) المسألة أن التقنية أخذت منا الكثير مع الذكاء الاصطناعي والتيك توك وغيرها و حدث ذلك مع الآلة الحاسبة ومحركات البحث. وفي مقابل المنافع الهائلة لكل هذه الأدوات، يبقى سؤال يستحق أن نسأله: ماذا يحدث للقدرات التي نتوقف عن استخدامها لأن هناك شيئاً يؤديها عنا؟

حتى مصطلح (التعفن الدماغي) الذي شاع في السنوات الأخيرة يبدو لي وصف ضيق أمام ظاهرة أكبر بكثير ولايفي ..مقارنة ايجاباً هناك اضعاف لمضارها يشبه الأمر أرقام الهواتف كان جيل كامل يحفظ أرقام أهله وأصدقائه فقط لأن الوصول إليهم كان يتطلب ذلك قبل ظهور هواتف محمولة وامكانية تخزين الارقام ببساطة..

وربما لهذا تبدو عبارة للجاحظ شديدة الملاءمة رغم أنه كتبها في عالم لم يعرف الأقمار الصناعية ولا الهواتف. حين وصف منهجه في الحيوان قال إنه جمع بين «معرفة السماع وعلم التجربة»، وأشرك معهما «وجدان الحاسة وإحساس الغريزة» كأن المعرفة عنده لم تكن شيئاً يصل إلى الإنسان جاهزاً فقط بل شيئاً يسمعه ويجرّبه، ويراه، ويحسه.
اليوم بتنا نعرف كيف نصل دون أن نعرف أين نحن.
الخرائط فعلت شيئاً مشابهاً بالمكان لكنني أظن أن هناك خسارة أخرى لا تظهر في الدراسات بسهولة
الخريطة الرقمية مهمتها الأساسية أن تقلل عدم اليقين هذا هو أسرع طريق، وهذا هو الأقصر، وهذا هو الوقت المتوقع للوصول وهي تؤدي مهمتها بكفاءة مذهلة.
هنا الكفاءة ليست دائماً طريقة جيدة لاكتشاف العالم.

ولعل أغرب ما فعلته الخرائط بنا او بي فقط او لا اعلم أنها غيّرت حتى معنى كلمة (بعيد)
كم يبعد المكان؟ الوقت يكون هو اول سؤال عند اي وجهة لا كم يستغرق؟
قد تكون المسافة عشرين كيلومتر لكنها (قريبة) إذا قال الهاتف إنها تحتاج عشرين دقيقة وقد يكون المكان على بعد بضعة كيلومترات، لكنه يبدو بعيداً عندما تظهر الشاشة ساعة من الازدحام تحولت الجغرافيا في وعينا من مسافات إلى أزمنة وصول.

تحولت التقنية من اداة مساعدة الى اداة اعفاء
ولست أدعو هنا إلى إغلاق الخرائط، ولا أظن أنني سأفعل ذلك في طريقي إلى العمل صباح الغد. فالعودة إلى الضياع ليست بطولة، والتقنية لم تأتِ لتجعل حياتنا أصعب
وليس كل جهد يجب ان نتخلص منه وليس كل كفاءة جديرة بالانبهار
الضياع يعلمنا والاخطاء ترسخ صحة الامور
ولا اعرف اذا كان علينا ان نقلق لكنني اعرف انني في المرة القادمة عندما ينقطع الانترنت اتمنى ان لا اضطر للعودة ليس لأن الاتصال عاد بل لاني عرفت الطرق والشوارع وشكل ذلك المنزل عند المنعطف ..
……………………………
رغد سعيد الغامدي
المنطقة الغربية- الطائف
@raghad_saeed
للتواصل : Raghad_saeed@outlook.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى