*مدينة الجبيل الصناعية… حين تتحول الرؤية الوطنية إلى نموذج عالمي للتنمية المستدامة*

بقلم / عاطف علي الأسود
تُعد مدينة الجبيل الصناعية واحدة من أبرز المدن الصناعية في المنطقة والعالم، إذأسهمت بشكل مباشر في ترسيخ معايير عالمية للتنمية الاقتصادية المستدامة. ومنذتأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع عام 1975م، تشكّل للمدينة إطار مؤسسي متينمكّنها من التحول إلى نموذج دولي يُحتذى به في التخطيط الصناعي المتكامل وجذبالاستثمارات العالمية، عبر توفير بيئة اقتصادية مستقرة ومحفزة لرؤوس الأموالالمحلية والأجنبية.
وقد انعكس هذا النهج في المؤشرات الاقتصادية، حيث تحتضن الجبيل الصناعيةمئات المصانع والمنشآت الكبرى في قطاعات البتروكيماويات والطاقة والصناعاتالتحويلية، وتُقدَّر حجم الاستثمارات فيها بمئات المليارات من الريالات، كما تُسهمبنسبة مؤثرة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ما جعلها من أكبر التجمعاتالصناعية المتكاملة على مستوى العالم، وركيزة أساسية في دعم سلاسل الإمدادوالصناعات الوطنية.
ومنذ المراحل الأولى للتخطيط، أولت الهيئة الملكية أهمية قصوى لتحقيق التوازن بينالنمو الصناعي وحماية البيئة، فاعتمدت أنظمة رقابية متقدمة لمراقبة الانبعاثات،وطبّقت أعلى المعايير البيئية الدولية، الأمر الذي أسهم في تسجيل مستويات تلوث أقلمقارنة بالمدن الصناعية المماثلة عالميًا، ورسّخ مكانة الجبيل كنموذج للمدن الصناعيةالنظيفة والمستدامة.
وفي إطار الحلول الهندسية والبيئية المبتكرة، شهدت الجبيل تطبيق شبكات تبريدتعتمد على مياه البحر تمر حول المناطق الصناعية، بما يسهم في خفض درجاتالحرارة المحيطة بالمصانع والمناطق السكنية، وتحسين بيئة العمل، إلى جانب تشجيرواسع النطاق ومساحات خضراء مخططة أسهمت في تحسين جودة الهواء والحد منالانبعاثات الضارة، لتغدو المدينة مثالًا حيًا على التكامل بين الصناعة والبيئة.
وعلى الصعيد المجتمعي، لم تقتصر التنمية على البُعد الصناعي فحسب، بل حرصتالهيئة الملكية على بناء منظومة خدمات متكاملة شملت كلية وجامعة داخل المدينة،إضافة إلى مستشفيات حكومية ومراكز صحية متقدمة، وهو ما أسهم في تعزيز جودةالحياة، وتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للسكان، ودعم استدامة تنمية رأسالمال البشري، باعتباره عنصرًا محوريًا في نجاح أي تجربة تنموية.
وقد تحولت تجربة الجبيل الصناعية إلى مرجع وطني لتخطيط المدن الصناعية الأخرىفي المملكة، وعلى رأسها مدينة ينبع الصناعية، إضافة إلى مدن صناعية لاحقة تبنّتنموذج الهيئة الملكية في ربط الصناعة بالخدمات، وتكريس التخطيط البيئي، وضماناستدامة الموارد، بما يعكس نضج التجربة وقابليتها للتكرار والتوسع.
ويأتي هذا النجاح منسجمًا مع رؤية الدولة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفينوولي عهده الأمين، التي تستهدف تحقيق تحول شامل في بنية الاقتصاد الوطني، وتنويعمصادر الدخل، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يواكب مستهدفاترؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد تنافسي مستدام.
كما تلعب إمارة المنطقة الشرقية بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايفدورًا محوريًا في متابعة هذا التوجه التنموي، من خلال الإشراف والتكامل بين الجهاتذات العلاقة، وضمان تطبيق السياسات الوطنية على أرض الواقع، وتحقيق أعلى كفاءةفي استثمار الموارد، بما ينعكس إيجابًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيالمنطقة.
فقرة ختامية – البعد الاستراتيجي والرؤية المستقبلية
وفي المحصلة النهائية، لا يمكن النظر إلى مدينة الجبيل الصناعية باعتبارها مشروعًاصناعيًا ناجحًا فحسب، بل بوصفها نموذجًا وطنيًا متقدمًا في إدارة التنمية الشاملة،استطاع أن يدمج بين الاقتصاد والبيئة والإنسان في منظومة واحدة متوازنة. فالجبيلتمثل اليوم ترجمة عملية لرؤية الدولة في بناء مدن صناعية ذكية ومستدامة، قادرة علىالمنافسة عالميًا، وتوليد القيمة المضافة، وخلق فرص العمل، مع الحفاظ على جودةالحياة والموارد للأجيال القادمة.
إن تجربة الجبيل الصناعية تؤكد أن التنمية ليست توسعًا عمرانيًا أو نموًا اقتصاديًامجردًا، بل هي نتاج تخطيط واعٍ، وحوكمة رشيدة، واستثمار في الإنسان قبل المكان،وهو ما يجعل من هذه المدينة علامة فارقة في مسيرة التنمية الوطنية، ورسالة واضحةبأن المملكة تمضي بثبات نحو مستقبل صناعي مستدام، بثقة الرؤية وقوة التنفيذ.




