مقالات

أمانة المنطقة الشرقية والاقتصاد الصحي وحماية البيئة: قراءة اقتصادية في مسار الاستثمار المستدام

 

بقلم : عاطف علي الأسود

في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم، لم يعد الاستثمار الحقيقي مرتبطًا فقط بحجم العائد المالي، بل بقدرته على تحقيق أثر طويل الأمد يوازن بين النمو الاقتصادي، وصحة الإنسان، وحماية البيئة، ومن هنا يبرز الاقتصاد الصحي بوصفه أحد أهم المسارات الحديثة التي أعادت صياغة مفهوم التنمية في الدول المتقدمة، حيث بات الإنسان والبيئة في قلب القرار الاقتصادي.

وتُعد المنطقة الشرقية بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وصناعي وبنية تحتية متقدمة نموذجًا وطنيًا مؤهلًا لتبني هذا التوجه، في ظل دور محوري تقوم به إمارة المنطقة الشرقية وأمانة المنطقة الشرقية في الانتقال من مفهوم الإدارة الخدمية إلى مفهوم التنمية الاستثمارية، عبر سياسات واعية في استثمار الأراضي، وتطوير المرافق، وتهيئة بيئة جاذبة للمستثمرين، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا مستدامًا، ويعزز جودة الحياة للمجتمع.

الاقتصاد الصحي كرافعة تنموية

من منظور اقتصادي صحي، تمثل صحة الإنسان ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات القوية، فالاقتصاد الصحي لا يُختزل في تقديم الخدمات العلاجية، بل يمتد ليشمل الوقاية، وتحسين البيئة الحضرية، وتقليل التكاليف الصحية المستقبلية، ورفع كفاءة رأس المال البشري، وهي معايير اعتمدتها دول متقدمة مثل ألمانيا، وكندا، ودول اسكندنافيا، حيث أثبتت التجربة أن الاستثمار في الصحة والبيئة يسبق العائد الاقتصادي ولا يتبعه.

وفي المناطق ذات النشاط الصناعي المرتفع، كما هو الحال في المنطقة الشرقية، يصبح هذا المفهوم ضرورة استراتيجية، إذ إن أي توسع استثماري غير محسوب صحيًا وبيئيًا، سيؤدي إلى تكاليف غير مباشرة تتحملها الدولة لاحقًا في شكل أعباء صحية وبيئية، وهو ما تدركه اليوم الاقتصادات الرائدة التي ربطت بين التخطيط الحضري، والاقتصاد الصحي، وحماية البيئة.

حماية البيئة كأصل اقتصادي

لم تعد حماية البيئة في التجارب الدولية المتقدمة عبئًا تشريعيًا، بل تحولت إلى أصل اقتصادي حقيقي، كما في هولندا، وسنغافورة، واليابان، حيث جرى توظيف الابتكار البيئي في إدارة المدن، والنفايات، والطاقة، وتحسين المشهد الحضري، وربطه بجاذبية الاستثمار، وجودة الحياة، والاستدامة المالية.

وفي هذا الإطار، تقوم أمانة المنطقة الشرقية بدور متقدم في تبني مشاريع نوعية تعزز البيئة النظيفة، وتربطها بالاقتصاد الصحي، عبر تطوير المرافق العامة، ومناطق الترفيه، والخدمات البلدية، بما يخلق بيئة حضرية صحية، ويحول الإنفاق البلدي من كلفة تشغيلية إلى استثمار طويل الأمد.

تكامل الأدوار المؤسسية وصناعة الفرص

إن ما يميز تجربة المنطقة الشرقية هو تكامل الأدوار بين إمارة المنطقة الشرقية وأمانة المنطقة الشرقية وهيئة تطوير المنطقة الشرقية، حيث أسهم هذا التناغم المؤسسي في تسريع وتيرة التنمية، وخلق فرص استثمارية نوعية، قائمة على التخطيط الاستراتيجي، والاستغلال الأمثل للأراضي والأصول، وتوجيهها نحو مشاريع تحقق التوازن بين الاقتصاد، والصحة، والبيئة.

الهيئة الملكية: نموذج وطني متقدم للاقتصاد الصحي وحماية البيئة

وعند الحديث عن نماذج وطنية ناجحة في هذا المسار، تبرز الهيئة الملكية للجبيل وينبع بوصفها أحد أبرز التجارب السعودية الرائدة التي جسدت التكامل بين الاقتصاد، والصحة، وحماية البيئة، حيث لم تُبنَ المدن الصناعية بوصفها مناطق إنتاج فقط، بل كمدن متكاملة للحياة، اكتملت فيها مقومات السكن، والخدمات، والبنية التحتية، والبيئة الصحية، وفق تخطيط استراتيجي طويل المدى.

لقد أسهمت القرارات التي اتخذتها الهيئة الملكية منذ مراحل التأسيس في تحويل الجبيل وينبع إلى مدن صناعية وسكنية متكاملة، تراعي المعايير البيئية، وتضع صحة الإنسان وجودة حياته في صلب التخطيط، وهو ما انعكس في انخفاض الأثر البيئي، وارتفاع كفاءة الخدمات، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية، حتى أصبحت هذه المدن نموذجًا يُحتذى به محليًا وإقليميًا.

وتُعد تجربة الهيئة الملكية دليلًا عمليًا على أن الاستثمار في حماية البيئة والاقتصاد الصحي ليس عائقًا أمام النمو الصناعي، بل عنصرًا أساسيًا في استدامته، إذ نجحت في خلق توازن بين قوة الإنتاج الصناعي، واستقرار المجتمع، ونظافة البيئة المحيطة، وهو التوازن الذي تسعى إليه اليوم الدول المتقدمة في نماذجها التنموية الحديثة.

ومن هذا المنطلق، فإن استلهام تجربة الهيئة الملكية في سياسات أمانة المنطقة الشرقية يمثل خطوة استراتيجية واعية، يمكن من خلالها نقل هذا النموذج الناجح إلى نطاق أوسع، عبر استثمار الأراضي، وتطوير المرافق، وبناء مدن ومشاريع تحقق التكامل بين الاقتصاد الصحي، وحماية البيئة، وجودة الحياة.

الاستثمار البلدي وتنويع مصادر الدخل

إن تفعيل دور إدارات الاستثمار والإيرادات في الأمانات يفتح آفاقًا واسعة لتنويع مصادر الدخل، من خلال استثمار الأراضي والأصول البلدية، وتطوير نماذج شراكة فعالة مع القطاع الخاص، والاعتماد على مصادر تمويل بديلة، بعيدًا عن الأنماط التقليدية، وبما يحقق استدامة مالية طويلة الأمد.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب أطر حوكمة واضحة، تقوم على الشفافية والمهنية، وإشراك ذوي الاختصاص من خارج المنظومة الحكومية، بما يعزز ثقة المستثمرين، ويرفع كفاءة التخطيط والتنفيذ.

شراكة القطاع الخاص في إطار وطني

إن ما يميز هذا التوجه هو الدعم الكبير والاهتمام البالغ من الدولة، بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين، ومتابعة وتمكين سيدي ولي العهد حفظهما الله، حيث تبنت المملكة نهجًا تنمويًا طموحًا يستلهم تجارب الدول المتقدمة، ويسعى إلى الوصول إلى مصافها، ليس فقط اقتصاديًا، بل في مستوى الخدمات، وجودة الحياة، والبيئة النظيفة.

وفي ظل هذا الدعم، يصبح القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا في صناعة التنمية، عندما يُمنح الفرصة للاستثمار في مشاريع قائمة على الاقتصاد الصحي وحماية البيئة، ضمن أطر حوكمة واضحة، وتحت إشراف مؤسسي مهني، بما يعزز الثقة، ويرفع كفاءة الأداء، ويحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا.

ختاماً

إن ما تشهده المنطقة الشرقية اليوم من حراك تنموي يعكس رؤية دولة تسعى بثبات للحاق بالدول المتقدمة، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من صحة الإنسان، ونظافة البيئة، وحسن إدارة الموارد، وإمارة المنطقة الشرقية وأمانة المنطقة الشرقية، بالتكامل مع هيئة التطوير وبدعم القيادة الرشيدة، تملك كل المقومات لتكون نموذجًا وطنيًا متقدمًا في هذا المسار، يعكس طموح الدولة، ويجسد مفهوم التنمية المستدامة في أبهى صورها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى