محليات

معهد التربية الفكرية بالدمام : مسيرة ربع قرن من العطاء تُتوّج برؤية تمكين شاملة عبر “التهيئة المهنية”

الدمام – عبدالباسط إبراهيم الفقيه

    في مشهد يفيض بالإنسانية ويعكس عمق التحول في فلسفة التعليم شهد معهد التربية الفكرية (بنين) بالدمام تدشين مقر التربية الفنية والتهيئة المهنيةتحت رعاية سعادة مدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية الدكتورة منيرة بدر المهاشير اليوم الثلاثاءالموافق 4 ذو القعدة 1447هـ. حيث لم يكن هذا الحدث مجرد افتتاح لمرفق جديد فقط .. بل محطة مفصلية في مسيرة ممتدة لأكثر من خمسة وعشرين عاماً .. جسّد خلالها المعهد نموذجاً وطنياً رائداً في تمكين طلاب التوحد ، وتحويل التحديات إلى فرصوالإمكانات إلى إنجازات .

    هذا التدشين لم يأتِ من فراغ بل هو امتداد طبيعي لرؤية تعليمية متقدمة تؤمن بأن التعليم لا يقتصر على تلقين المعرفة بل يتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان وتنمية قدراته ،وتأهيله ليكون عضواً فاعلاً في مجتمعه.

البدايات الأولى: حين وُلدت الفكرة وتشكّلت الرؤية

تعود جذور معهد التربية الفكرية بالدمام إلى عام 1418هـ، حين انطلقت أولى خطواته بافتتاح المرحلة الابتدائية لطلاب التوحد وبرامج متعددي العوق ... في تلك المرحلة كان الهدف الأساسي يتمثل في توفير بيئة تعليمية آمنة ومهيأة تستوعب احتياجات هذه الفئة وتقدم لهم خدمات تعليمية متخصصة تتناسب مع قدراتهم .

ومع مرور السنوات لم يكن المعهد مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية .. بل تحول إلى بيئة حاضنة للتطوير والتجديد .. حيث راكم خبرات نوعية وأسّس لنموذج تعليمي قائم على التكامل بين التعليم والتأهيل والرعاية. وقد أسهم ذلك في بلورة رؤية أكثر شمولاً ..أدركت أن الطالب لا يجب أن يتوقف مساره عند مرحلة معينة .. بل ينبغي أن يمتد معه حتى تحقيق أقصى درجات الاستقلالية الممكنة.

التوسع النوعي: استجابة واعية لاحتياجات الطلاب

في عام 1446هـشهد المعهد نقلة نوعية تمثلت في افتتاح المرحلتين المتوسطة والثانوية لطلاب التوحد في خطوة تعكس وعياً عميقاً بأهمية الاستمرارية التعليمية لم يعد الطالب مضطراً لمغادرة بيئته التعليمية التي اعتاد عليهابل أصبح بإمكانه مواصلة رحلته ضمن منظومة متكاملة توفر له الاستقرار النفسي والتربوي.

    هذا التوسع لم يكن مجرد إضافة مراحل دراسية .. بل إعادة تشكيل شاملة للمنظومة التعليمية ، بحيث تواكب احتياجات الطلاب في مختلف أعمارهم .. وتدعم انتقالهم التدريجي من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الاعتماد الجزئي وصولاً إلى أقصى درجات الاستقلال الممكنة .

التهيئة المهنية”: من الرعاية إلى الإنتاج

    يمثل افتتاح مقر التربية الفنية والتهيئة المهنية تحولاً جذرياً في فلسفة المعهد .. حيث ينتقل التركيز من تقديم الرعاية فقط .. إلى بناء القدرات الإنتاجية لدى الطلاب .. فالمقر الجديد لا يهدف إلى تعليم مهارات عابرة .. بل يسعى إلى غرس ثقافة العمل .. وتنمية روح الاعتماد على الذات وتهيئة الطلاب للاندماج الحقيقي في سوق العمل .

  داخل هذا المقر يتلقى الطلاب تدريباً عملياً في غرف متخصصة مثل “غرفة المهنية” و”غرفة الفنية”، حيث يمارسون أنشطة متنوعة تشمل الأعمال اليدوية .. والحرف البسيطة .. والمهارات الفنية .. هذه الأنشطة لا تُقدَّم بشكل عشوائي بل ضمن برامج مدروسة تراعي الفروق الفردية وتبنى على قدرات كل طالب مما يسهم في اكتشاف مواهبه وتنميتها .

  إن التحول من “متلقٍ للرعاية” إلى “مشارك في الإنتاج” هو جوهر هذا المشروع .. وهو ما يعكس رؤية تعليمية حديثة .. تضع التمكين في قلب العملية التربوية  .

الرعاية المساندة: تكامل يتجاوز حدود الصف الدراسي

  إلى جانب الجوانب التعليمية يولي المعهد بقيادة مديره الفاضل الأستاذ محمد إبراهيم القحطاني اهتماماً كبيراً بالخدمات المساندة .. التي تشكل جزءاً أساسياً من تجربة الطالب .. فقد شملت جولة سعادة المدير عام التعليم الاطلاع على ممر النشاطالمصمم خصيصاً لطلاب اضطراب فرط الحركة .. والذي يتيح لهم تفريغ طاقاتهم بطريقة آمنة ومنظمة .

    كما تضمنت الجولة عيادة المعهد ومركز النطق والكلام حيث يحصل الطلاب على خدمات علاجية متخصصة .. تسهم في تحسين مهاراتهم التواصلية والصحية ... هذا التكامل بين التعليم والعلاج يعكس فهماً عميقاً لاحتياجات الطلاب ويؤكد أن العملية التربوية لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فقط ..بل تشمل جميع أبعاد النمو الإنساني.

الإنسان أولاً : ثقافة الوفاء والتقدير

  لم تغفل الجولة الجانب الإنساني حيث تم تكريم المعلمين الذين يمثلون الركيزة الأساسية في نجاح المعهد فهؤلاء المعلمون لا يقتصر دورهم على التعليم فقط بل يمتد ليشمل الدعم المادي و النفسي .. والتوجيه .. وبناء الثقة لدى الطلاب .

   كما اختُتمت الزيارة بتبادل الهدايا التذكارية التي صنعها الطلاب بأنفسهم في مشهد يحمل دلالات عميقة تعكس مدى ما وصل إليه الطلاب من مهارات وقدرات ..وتؤكد نجاح البرامج التأهيلية في تحقيق أهدافها.

رؤية تتجاوز الأسوار: نحو مجتمع أكثر شمولاً

   إن ما يقدمه معهد التربية الفكرية بالدمام يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية .. ليصل إلى المجتمع بأسره .. فالمعهد لا يعمل فقط على تأهيل الطلاب بل يسهم في تغيير نظرة المجتمع نحو هذه الفئة العزيزة على قلوبنا من خلال إبراز قدراتهم .. وتسليط الضوء على إمكاناتهم.

و يرتكز هذا التوجه على ثلاثة محاور رئيسية

الاستقلال الذاتي: عبر تمكين الطالب من إدارة شؤونه اليومية.
الدمج المجتمعي: من خلال تأهيله للاندماج في بيئات العمل والحياة.
الدعم النفسي: بتوفير بيئة آمنة تعزز الثقة والاستقرار.

إنسانية بدرجة دكتوراة  

   لم يكن حرص سعادة مدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية الدكتورة منيرة بدر المهاشيرعلى هؤلاء الطلاب مجرد متابعةٍ إدارية أو أداءٍ مهنيبل كان انعكاسًا لقناعةٍ راسخة بأن لكل إنسان حقًا أصيلًا في التعلم الكريم .. والاهتمام العادل .. والفرص المتكافئة ..فكانت تقترب منهم بإنصاتٍ حقيقي وتدعمهم بإيمانٍ بقدراتهم .. وتُعزز فيهم الشعور بقيمتهم .. حتى غدت خطواتهم أكثر ثباتًا .. ونظرتهم لأنفسهم أكثر إشراقًا .

   لقد جسدت الدكتورة نموذجًا تربويًا متكاملًا .. حيث يلتقي العلم بالرحمة .. والمعرفة بالحس الإنساني .. والقيادة بالرعاية .. وما أحوج الميادين التربوية لمثل هذه النماذج التي تُعيد تعريف النجاح .. لا بوصفه إنجازًا فرديًا بقدر ما هو أثرًا ممتدًا في حياة الآخرين .

   إنها إنسانيةٌ لا تُدرّس في قاعات .. ولا تُكتب في مناهج .. بل تُعاش سلوكًا يوميًا ..وتُترجم مواقفَ صادقة .. وتُخلّد في ذاكرة من نالتهم بفيض عطائها. وإن كانت الدكتوراه تاجًا على جبينها العلمي .. فإن إنسانيتها هي التاج الذي استقر في طلاب ذوي الاعاقة وبقي أثره شاهدًا لا يزول .

ختاماً .. حين تتحول الرسالة إلى أثر 

     على مدى أكثر من ربع قرن استطاع معهد التربية الفكرية بالدمام أن يرسّخ مكانته كنموذج رائد في مجال التربية الخاصةوأن يثبت أن الإعاقة لا تعني غياب القدرة بل تحتاج إلى بيئة تحتضنها .. وتكشف عن إمكاناتها .

     ومع استمرار الدعم من قيادتنا الرشيدة .. واهتمام وتوجيه من سعادة مدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية الدكتورة منيرة بنت بدر المهاشير ومتابعة من مدير المعهد الأستاذ محمد إبراهيم القحطاني يواصل المعهد رحلته بثبات مستنداً إلى رؤية واضحةورسالة سامية وأهداف طموحة .

      إن افتتاح مقر التهيئة المهنية ليس نهاية المطافبل بداية مرحلة جديدة عنوانها التمكين وغايتها بناء إنسان قادر .. ومنتج .. ومندمج في مجتمعه و في كل خطوة يخطوها المعهد تتجدد القناعة بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان وأن كل جهد يُبذل في هذا المجال هو في الحقيقة استثمار في

مستقبل الوطن بأكمله .

 

 

عبدالباسط إبراهيم الفقيه  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى