مقالات

رحيل حياة الفهد… وبقاء الدراما تبحث عن صوتها

 

بقلم : علي حسن المفتاح

في الخليج، لا يخلّد الفنان لأنه الأفضل أداءً… بل لأنه يصبح “صوت الناس”.
وهنا تحديدًا تكمن حكاية حياة الفهد.

ليست المسألة أنها ممثلة بارعة فهذا أمر محسوم نقديًا لكن السؤال الحقيقي:
كيف تحوّلت إلى “لهجة” داخل الذاكرة الفنية؟

نحن لا نتذكر بعض أعمالها بالمشهد… بل بالنبرة.
لا نستعيد القصة… بل نستعيد الطريقة التي قيلت بها الجملة.
وكأنها لم تكن تمثل بقدر ما كانت تُثبّت الإحساس داخل الوعي الجمعي للمشاهد.

الجيل الجديد قد يراها جزءًا من أرشيف الماضي،
لكن المفارقة أن أثرها لم يتوقف عند زمنٍ محدد،
بل امتد إلى طريقة أداء أجيال لاحقة حتى دون إعلان أو تقليد مباشر.

هي لم تبحث عن المثالية،
بل عن الصدق الخام؛ ذلك الذي لا يحتاج إلى تزيين أو افتعال.
ولهذا بدت بعض مشاهدها وكأنها غير مكتوبة،
وكأن الكاميرا لم تكن تلتقط أداءً… بل تلتقط حالة إنسانية حقيقية.

في لحظات التقييم الكبرى، لا يعود السؤال: ماذا قدّمت؟
بل يصبح: لماذا يترك هذا الحضور كل هذا الثقل في الذاكرة؟

إن الحديث عنها لا يختزل في “مسيرة فنية”،
بل في كونها حالة امتدت خارج الشاشة،
حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة المشاهد، لا مجرد أرشيف أعمال.

فهي لم تكن تقدّم أدوارًا بقدر ما كانت تفرض معيارًا غير مباشر على من يأتي بعدها:
كيف يمكن لشخصية أن تبدو حقيقية إلى هذا الحد دون أن تفقد أثرها الفني؟

ما ميّز تجربتها لم يكن التنوع وحده،
بل الثبات على فكرة واحدة:
أن التمثيل ليس استعراضًا، بل إقناعٌ صامت يصل دون ضجيج.

في عالم الفن، هناك أسماء تُذكر كذكريات وأسماء تُذكر كمدارس وأسماء تُذكر كفجوات يصعب ملؤها.

وفي أقصى قراءة نقدية لمسيرتها، تنتمي حياة الفهد إلى الفئة الثالثة.

ومهما كانت طبيعة المرحلة، يبقى المؤكد أن أثرها لا يحتاج إعلانًا رسميًا ليُثبت نفسه،
لأن الأعمال التي تصمد بهذا الشكل لا تنتهي مع أصحابها…
بل تتحول إلى معيار دائم لإعادة تعريف “الصدق في الأداء”.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا أمام كل مشهد فني لاحق:
كم فنانًا سيأتي بعدك ويجعلنا نعيد تعريف التمثيل من جديد؟

رحم الله الفقيدة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل ما قدمته من أثرٍ فني وإنساني في ميزان حسناتها، وألهم محبيها الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى