مقالات

أنتَ قادر”.. ليس كلاماً تحفيزياً.. بل حقيقة علمية

 

بقلم : نوال السعد

نظن أحياناً أن جملة “أنت قادر” مجرد كلمة تنمية بشرية، أو شعار رنان نعلقه في قاعة تدريب. لكن الحقيقة أن هذه الجملة هي اختصار لأعظم اكتشاف علمي عن الإنسان: أن دماغك مرن، وحياتك قابلة للتغيير.

إعطاء الأمل ليس وظيفة مدرب فقط، ولا منبر إمام مسجد فقط. هو واجب على كل معلم، مستشار، أب، صديق، وحتى شخص بسيط ألهمه الله الحكمة. لأنك حين تقول لإنسان محطم: “أنت قادر”، فأنت لا تواسيه.. أنت توقظه.

أولاً: لماذا “أنت قادر” ليست كلام أحلام؟

لأن العلم قالها قبلنا. المرونة العصبية Neuroplasticity أثبتت أن المخ ليس قطعة صلبة تتشكل في الطفولة وتنتهي. المخ يتغير كل يوم. كل مهارة جديدة تتعلمها، كل عادة سيئة تبطلها، كل فكرة سلبية تستبدلها.. أنت حرفياً تعيد تشكيل وصلات دماغك.

> قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11] > والتغيير يبدأ بخلية عصبية، ثم بقرار، ثم بخطوة.

فالذي يقول لك “لا أستطيع” يكذّبه عقله قبل أن تكذّبه أنت. هو يستطيع، لأن خالقه صممه قادراً على التعلّم حتى آخر نفس.

ثانياً: من الذي يملك حق إعطاء الأمل؟

المعلم: حين يرى طالباً ضعيفاً فيقول له: “أنت ما فهمت الدرس، لكنك قادر تفهمه بطريقة ثانية”. هو لا يدرّس رياضيات.. هو يدرّس كرامة.

المدرب: حين يرى متدرباً يقول “عمري 50 فاتني القطار” فيرد عليه: “القطار ما فات، أنت اللي ما حجزت تذكرة جديدة”. هو لا يدرّب مهارة.. هو يوقظ حياة.

المستشار: حين يجلس أمامه شاب غارق في الإدمان أو الإحباط، فيقول له: “مخك تعوّد على هذا المسار، ونقدر نصنع مسار جديد”. هذا ليس كلام نظري.. هذا علم إدمان، وعلم سلوك.

إمام المسجد: حين يصعد المنبر ويقول للمذنب: “باب التوبة مفتوح، وربك يبدّل سيئاتك حسنات إن صدقت”. هذا ليس تخدير.. هذا وعد من {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

الشخص البسيط الذي ألهمه الله الحكمة: قد يكون عامل نظافة، أو بائع خضار، لكن كلمته تلامس القلب. لأن الحكمة رزق: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ}. ورب كلمة من بسيط، أحيت همّة دكتور.

ثالثاً: كيف نعطي الأمل بشكل حقيقي؟ ليس بالكلام الفارغ

الأمل الحقيقي له 3 أركان، وغير كذا يصير “تطبيل”:

الأمل المبني على دليل: “أنت قادر لأن…”
لا تقل “أنت قادر” وتسكت. أكملها: “أنت قادر لأن مخك مرن. أنت قادر لأن فلان بدأ من الصفر ونجح. أنت قادر لأنك أمس كنت ما تعرف، واليوم عرفت حرف”. الدليل يحوّل الأمل من عاطفة إلى يقين.

الأمل المقرون بخطوة: “وأول خطوة هي…”
الإحباط يجي من ضخامة الطريق. دورك تكسر الصخرة الكبيرة إلى حصى صغيرة. “لا تقول بأحفظ القرآن.. قل باحفظ آية. لا تقول بأترك التدخين للأبد.. قل ما أدخن الساعة الجاية”. الإنجاز الصغير هو وقود الأمل الكبير.

الأمل المربوط بالله: “والله معك إن صدقت”
كل الأسباب بدون توفيق الله سراب. ذكّره أن {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. أنت تسعى، والهداية والفتح من الله. وهذا هو الفرق بين أمل المؤمن وأمل الحالم.

الخلاصة: الحياة رحلة من الإحباط إلى الإنجاز

هي كذا الحياة: من إحباط إلى سعادة وإنجازات.
لما يتعلم شي جديد.. ينتصر على جهله.
لما يتقن شي ما كان يجيده.. ينتصر على عجزه.
لما يبطل عادة سيئة.. ينتصر على نفسه.

وهذا كله ليس كلام تنمية بشرية. هذا واقع نعيشه كل يوم في مراكز علاج الإدمان، في فصول محو الأمية، في حلقات تحفيظ كبار السن.

فيا معلم، يا مدرب، يا مستشار، يا إمام، يا إنسان بسيط ألهمك الله كلمة:
لا تبخل بـ “أنت قادر”.
فربما تكون كلمتك هي الشرارة التي تشعل عقلاً، وتحيي قلباً، وتغير مصيراً.

وتذكّر: أنت لا تعطيه أملاً كاذباً.. أنت تذكّره بحقيقة نسيها:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.. والتكريم يعني القدرة.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.. وأحسن تقويم يعني قابل للتعلّم والترقّي إلى ما لا نهاية.

فقلها بثقة، بقلب، بعلم: أنت قادر.. والله قادر أن يعينك.

نوال السعد
المنطقة الشرقية – الدمام
المملكة العربية السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى