مقالات

*حياتك ليست مشروع مؤقت!*

 

بقلم الدكتوره/ ساره عبدالله المزيعل
المستشارة ومدربة التطوير والاستدامة وجودة الحياة

قد يتبادر الى ذهنك يوماً ما الذي يجعل الانسان يتوه بين طريقين، ان لم تكن عدة طرق، ولا يختار الطريق الأفضل له؟! وتبدأ البحث عن أجوبة، فتجد خير الاجابات في القران الكريم، فتأتيك الآية الكريمة في سورة الملك: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رداً على سؤال إجابته بديهية من إنسان سوي ويعلم ما الأفضل له والذي يفترض أن يختاره!؟ تلك الآية من سورة الملك تضعنا أمام “التشخيص الهندسي للحركة”؛ فالحياة ليست مجرد مسير، بل هي “هندسة اتجاه”. الآية تضع مقارنة بين نمطين من الإدارة الذاتية: الأول “مُكبّ على وجهه” (يفتقد للرؤية المستقبلية، متخبط، محصور في موطئ قدمه)، والثاني “سويّ على صراط مستقيم” (يتمتع بالوضوح الاستراتيجي، التوازن، والهدف الثابت).

بناءً على هذا نستخرج القاعدة الجوهرية التالية:

*هندسة الاستقامة الاستراتيجية وقاعدة [التوازن.. لا تمش وأنت تنظرُ لقدميك]!*

المشي “مُكباً على الوجه” يعني أنك منشغل بـ “المشكلات اللحظية” لدرجة فقدانك للرؤية الشاملة. واما الاستقامة هي أن ترفع رأسك وتضع خطوتك على “الصراط المستقيم” (الرؤية الواضحة والهدف الصريح)، فتكون خطواتك متزنة لا تتخبط.

*هل هناك خلل؟
نعم ونسميه الخلل الهندسي و”التخبط اللحظي”.*

يحدث الخلل عندما يستغرق القائد في تفاصيل التفاصيل، أو حين تُسيطر عليه ردود الفعل، بدلاً من الفعل الاستراتيجي المطلوب فعله. “الانكباب على الوجه” هو تعبير عن التشتت والضياع والتيهان؛ حيث ينظر الإنسان لمواضع قدميه فيُشغل باله بالهموم اليومية، ضغوط العمل، النزاعات الصغيرة، المرض.. إلخ. وينسى “الوجهة” الأولى والمطلوب منه التركيز عليها وهي الرسالة، الرؤية، الغاية!

*الطريقة لكيفية هندسة الاستقامة:*

*أولا: هندسة الرؤية الأفقية (Horizontal Vision) وهي ثلاثة نقاط مهمة عبر:*

• البصيرة: الادراك بان الحالة هي “الانكباب على وجهه” وإدراك محدودية الرؤية والنظر لمسافة متر واحد للأمام. أما “السويّ” فيرى الأفق أمامه عبر التركيز على مستقبله، أهدافه الكبرى.. الخ.
• القاعدة: لا تدع ضجيج يومك، مهما كان، أن يحجب عنك غايتك الكبرى. ارفع رأسك بين الحين والآخر لتتأكد أن اتجاهك لا يزال متسقاً ومتماشياً مع صراطك المستقيم.

*ثانيا: الميزان “الاتزان الحركي” (Dynamic Equilibrium) وهي ثلاثة نقاط مهمة عبر:*

• البصيرة: المشي “سوياً” يتطلب توازناً عضلياً وذهنياً. التشتت في عدة مسارات مثل تعدد المهام المفرط، المشتتات الرقمية.. إلخ هو ما يجعلك تميل وتسقط.
• القاعدة: الاستقامة في العمل تتطلب التركيز على “مسار واحد” واضح، بدلاً من التخبط في مسارات متعددة تؤدي إلى الانهيار.

*ثالثاُ: المعيار “الصراط المستقيم” (The Strategic Path) وهي ثلاثة نقاط مهمة عبر:*

• البصيرة: الصراط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. الانحراف عن هذا الصراط (مثل: اتخاذ قرارات خاطئة أو غير أخلاقية، التنازل عن الثوابت، إضاعة الوقت في التفاهات.. إلخ) هو ما يجعلك “مُكبّ على وجهك”.
• القاعدة: استقامة المسار تبدأ باستقامة النية والبوصلة.

لتطبيق ذلك بشكل عملي قم بعمل تحدي لنفسك وتسجله في دفتر، هذا يساعدك في تتبع أداؤك بشكل أفضل فاسأل نفسك:

1- *اختبار “الانكباب”:* هل تشعر اليوم أنك “تجري” خلف المشاكل دون رؤية للحل؟ (اذا كان الجواب نعم، أنت الآن تمشي مُكبّ على وجهك). توقف، ارفع رأسك، وحدد وجهتك.

2- *مراجعة المسار:* هل خطوتك الحالية اليوم في عملك أو حياتك تقربك من “صراطكِ المستقيم”؟ أم هي مجرد محاولة لتفادي عثرة؟

3- *إعادة الضبط:* في بداية كل أسبوع، ضع “مؤشرات الأداء الاستراتيجي” التي تمثل صراطك المستقيم، وقيم هل مشيتك هذا الأسبوع كانت “سوياً” أم “مُكباً”؟

بهذا التحدي ستتمكن من إدارة وهندسة اداؤك!

✨ *ومضة ختامية:*

“المُكبّ على وجهه يرى الأرض فقط، والسويّ يرى الأرض والسماء والوجهة. لا تجعل قسوة الأرض تجبرك على طأطأة الرأس؛ فمن مشى على صراطٍ مستقيم، كانت الأرض تحت قدميه أسهل، والغاية أمام عينيه أوضح”.

*د. سارة عبدالله عبدالعزيز المزيعل*
21 ذي الحجة ١٤٤٧هـ
12 يونيو 2026 م

جميع الحقوق محفوظة ©️

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى