المجتمعمحلياتهنا مسوده غير منشور

ليلة لا تشبه الليالي للكاتب سعود السحيمي

‏الدمام_

‏يوم الخامس عشر من رمضان لا يمر كما تمر الأيام. وليلة السادس عشر لا تشبه أي ليلة.

‏في مثل هذه الليلة من عام 1439هـ، لم يتغير التاريخ فقط تغيرت ملامحي. كان ذلك الفاصل الصامت بين زمنين: زمن كانت فيه هنا وزمن أعيش فيه على أثرها.

‏منذ تلك اللحظة أدركت أن الفقد لا يعني غياب جسد انما انطفاء دف كان يملأ الزوايا دون أن نشعر. هو رحيل اليد التي كانت تربت على القلب قبل الكتف، ورحيل الدعاء الذي كان يسبق خطانا في الطرقات.

‏أمي…
‏يا أول حب عرفته دون شرط ويا آخر أمان لا يعوض. كيف استطاعت الأيام أن تمضي بعدك؟
‏وكيف تعلمت أن أبتسم وفي داخلي فراغ بحجم السماء؟

‏الفقد يا سادة لا يعلمنا البكاء فقط انما يعلمنا النضج دفعة واحدة. يأخذ من أعمارنا براءة ويمنحنا بدلها صمتا عميقا لا يراه أحد.

‏في كل صلاة أذكر اسمك قبل اسمي. أدعو لك كأنني أحاول أن أرد بعض جميل عجزت عن وفائه. كل خير أفعله وكل خطوة صلاح وكل أثر طيب أهديه إليك. لعل الله يرفع درجتك ولعلني يوما ألقاك فتقولين: رضيت عنك.

‏رمضان يعود كل عام لكن هذه الليلة تعود بثقلها الخاص. بدمعتها التي لا تحتاج شهودا وبحديث داخلي لا يسمعه إلا الله.

‏أجلس وحدي…
‏أسترجع صوتك ونظرتك ودعواتك التي كانت تحيطني كسور من طمأنينة. لم أعد طفلا لكنني في ذكراك أعود كذلك. أشتاق أن أضع رأسي على يديك وأن أسمعك تقولين: انتبه لنفسك.

‏أثرك لم يرحل ….
‏أراكِ في صلاتي وفي قراراتي وفي خوفي على من أحب وفي كل خير أحاول أن أكونه.

‏ليلة السادس عشر من رمضان ليست ذكرى حزن فقط انما عهد بيني وبين الله: أن أكون امتدادا لبرك، وأن أجعل حياتي كلها صدقة جارية لك، وأن أعيش بحيث إذا ذكر اسمي كان في ميزانك نور.

‏الفقد لا يغير الملامح وحدها انما يعيد ترتيب الروح. يجعلنا أقل صخبا وأكثر فهما وأقرب إلى السماء وأبعد عن الغرور.

‏رحمكِ الله يا أمي. وجمعني بكِ في جنات لا فراق بعدها. حيث لا حزن ولا وداع ولا ليلة ثقيلة على القلب.

‏هناك فقط…
‏يعود الابن طفلا وتعود الأم أمانا لا ينتهي.

المستشارة الإعلامية د. سناء الخالدي

المستشارة الإعلامية والمدربة الدكتورة سناء الخالدي مدير المسؤولية الاجتماعية بنادي الدمام السعودي ومستشار أسري وتربوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى