مقالات

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾… عندما يدفع الأبناء ثمن الخصومة

 

مداوي ال غدرا

هناك مشاهد لا تحتاج إلى شرح، بل يكفي أن تراها لتشعر بثقلها في القلب.

طفلٌ يحمل حقيبته المدرسية، وفي يده الأخرى لعبته الصغيرة، يقف في مقر إحدى الجمعيات أو مراكز تسليم الأطفال، يلتفت يمينًا ويسارًا مترقبًا وصول أحد والديه. لا يدرك تفاصيل الخلافات، ولا يعرف أسباب الطلاق، لكنه يشعر أنه ينتظر شيئًا كان ينبغي أن يكون أكثر دفئًا وأقل قسوة.

هذا المشهد يتكرر في أماكن كثيرة، حتى أصبح جزءًا من واقعٍ مؤلم. أبٌ يأتي ليستلم أبناءه من أمهم، أو أمٌّ تأتي لتستلم أبناءها من أبيهم، بعد أن تعذر اللقاء المباشر بينهما بسبب اتساع فجوة الخلاف، حتى أصبحت جهةٌ ثالثة هي الوسيط بين والدين كانا يومًا يجمعهما بيتٌ واحد، ومائدةٌ واحدة، وأحلامٌ واحدة.

لقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وهي آية جاءت في سياق الحديث عن الطلاق، وكأنها تذكيرٌ ربانيٌّ بأن انتهاء العلاقة الزوجية لا ينبغي أن يمحو المعروف، ولا أن يدفن سنوات العِشرة، ولا أن يحوِّل الأبناء إلى ضحايا لصراع الكبار.

فالطلاق قد يكون نهايةً للحياة الزوجية، لكنه ليس نهايةً للأبوة، ولا نهايةً للأمومة، ولا نهايةً للمسؤولية الأخلاقية تجاه الأبناء.

إن أكثر ما يؤلم ليس وجود مراكز لتنظيم تسليم الأطفال، فهي قد تكون ضرورةً في بعض الحالات لحماية الحقوق، وإنما المؤلم أن يصل الحال ببعض الآباء والأمهات إلى مرحلة يغيب فيها الاحترام، وتذبل فيها الرحمة، ويختفي فيها الفضل الذي أمر الله بعدم نسيانه.

الأطفال لا يحتاجون إلى سماع تفاصيل النزاعات، ولا إلى رؤية الانتقام المتبادل، ولا إلى أن يُستخدموا وسيلةً للضغط أو تصفية الحسابات. إنهم بحاجة إلى أن يشعروا بأن والديهم، رغم الانفصال، ما زالا يتفقان على أمرٍ واحد: حبهم، وحمايتهم، وصناعة بيئة آمنة لهم.

إن الطفل الذي يعيش وسط الصراع قد يكبر وهو يحمل في داخله شعورًا بالذنب، أو الخوف، أو انعدام الأمان، وربما ينعكس ذلك على ثقته بنفسه، وعلاقاته المستقبلية، وحتى نظرته إلى الزواج والأسرة.

ومن صور الفضل بعد الطلاق أن يحسن كلُّ طرفٍ الحديث عن الآخر أمام الأبناء، وأن تُيسَّر إجراءات الزيارة والاستضافة، وأن تُراعى مشاعر الأطفال، وأن يتذكر كلٌّ من الأب والأم أن الخلاف بينهما لا يبرر حرمان الأبناء من الطمأنينة.

الإنسان النبيل لا يُقاس بأخلاقه عند الرضا فقط، وإنما يُعرف معدنه الحقيقي عند الخلاف. فمن استطاع أن يحفظ كرامة الطرف الآخر بعد الفراق، فقد انتصر على غضبه، وحفظ لأبنائه أجمل إرثٍ يمكن أن يتركه لهم: الاحترام.

ختامًا…

إذا انتهت المودة، فلا تنتهِ الرحمة.

وإذا افترقت الطرق، فلا تجعلوا الأبناء يسيرون فيها وحدهم.

وتذكروا دائمًا قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

فكم من طفلٍ كان ينتظر من والديه أن يتذكرا هذه الآية، قبل أن يحملا إليه حقيبته، ويتركا في قلبه حملًا أثقل منها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى