طوارئ المستشفيات تحت الضغط… والحل يبدأ من المراكز الصحية

بقلم : فاطمة اليعقوب
تشهد أقسام الطوارئ في المستشفيات ازدحاماً متزايداً انعكس بشكل مباشر على تجربة المرضى، حيث تتكرر شكاوى طول فترات الانتظار وتأخر تلقي الخدمة، في وقت يؤكد فيه مختصون أن جزءاً كبيراً من هذا الضغط ناتج عن مراجعة حالات صحية بسيطة لا تستدعي التدخل الطارئ.
وتشير تقديرات صحية إلى أن ما بين 40% و60% من مراجعي أقسام الطوارئ في المستشفيات العامة يعانون من حالات غير طارئة، مثل نزلات البرد، والالتهابات الخفيفة، وارتفاع الحرارة غير المعقد، والآلام البسيطة، أو الحاجة إلى وصفة دوائية أو استشارة أولية، وهي حالات يمكن التعامل معها بكفاءة عالية داخل المراكز الصحية.
وتُعد المراكز الصحية خط الرعاية الأول في النظام الصحي، حيث أُنشئت خصيصاً للتعامل مع الحالات البسيطة، وتقديم التشخيص الأولي والعلاج الأساسي، إضافة إلى متابعة الأمراض المزمنة والخدمات الوقائية. وتمتاز هذه المراكز بسهولة الوصول وسرعة تقديم الخدمة، إذ لا يتجاوز متوسط وقت الانتظار فيها عادة 30 إلى 60 دقيقة، مقارنة بانتظار قد يمتد في أقسام الطوارئ إلى 3–6 ساعات للحالات غير العاجلة.
في المقابل، تُخصص أقسام الطوارئ في المستشفيات للحالات الحرجة التي تهدد الحياة، مثل الحوادث، والنزيف الحاد، والجلطات، والأزمات التنفسية، والمضاعفات الشديدة للأمراض المزمنة. وعندما تتكدس هذه الأقسام بالحالات البسيطة، يزداد الضغط على الكوادر الطبية، وقد يتأثر زمن الاستجابة للحالات الأشد خطورة و تتأثر جودة الخدمة المقدمة للمرضى.
ويعبّر كثير من المرضى عن استيائهم من طول الانتظار في الطوارئ، دون إدراك أن نظام الفرز الطبي يعتمد على درجة خطورة الحالة وليس على أسبقية الحضور، ما يجعل الحالات البسيطة في آخر قائمة الأولويات، رغم إمكانية إنهائها بسرعة في أحد المراكز الصحية القريبة.
ويرى مختصون أن رفع مستوى الوعي المجتمعي بدور المراكز الصحية، وتوجيه المرضى لاختيار الجهة الصحية المناسبة حسب شدة الحالة، يمكن أن يخفف الضغط على أقسام الطوارئ بنسبة قد تصل إلى 50%، ويسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية ورفع رضا المرضى.
وهذا يؤكد أن التزام المجتمع بالتوجه إلى المراكز الصحية في الحالات البسيطة، وترك المستشفيات للحالات الطارئة والمعقدة، خطوة أساسية نحو نظام صحي أكثر كفاءة، يضمن حصول كل مريض على الرعاية المناسبة في الوقت والمكان المناسبين.
وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القطاع الصحي، تبقى مسؤولية تنظيم رحلة المريض مسؤولية مشتركة بين الجهات الصحية وأفراد المجتمع. فاختيار المكان المناسب لتلقي الرعاية الصحية ليس مجرد قرار فردي، بل سلوك واعٍ يساهم في إنقاذ الأرواح، ويضمن سرعة الخدمة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. وعندما نلجأ إلى المراكز الصحية في الحالات البسيطة، ونترك أقسام الطوارئ للحالات التي تهدد الحياة، فإننا نُسهم جميعاً في بناء نظام صحي أكثر كفاءة، ورحمة، وعدالة للجميع.



