*محمد مهدي الخنيزي… سيرة بدأت من الكدح وانتهت إلى الوطن*

✍️ عاطف بن علي الأسود
في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى القادة الذين يجمعون بين الخبرة العلمية، والاحترافية العملية، والحضور الاجتماعي الراسخ، يبرز الدكتور محمد مهدي الخنيزي كشخصية سعودية استثنائية، استطاعت أن تترك أثرًا ملموسًا في مجالات التعليم والإدارة والخدمة المجتمعية، وأن تقدم نموذجًا متوازنًا في الجمع بين الفكر الأكاديمي والعمل المؤسسي والحضور الإنساني.
وُلد الدكتور الخنيزي في محافظة القطيف عام 1364هـ (1945م)، ونشأ في حي القلعة في أسرة علمية وعملية. ومنذ سنواته الأولى، تعلم قيمة الاجتهاد وتحمل المسؤولية، فباع المثلجات “الصّبَعْبلي” لزملائه في المدرسة، وعمل حمّالًا في براحة الحليب وسوق الخميس، وساعد والده في الدكان. ومع بدايات شبابه، تحمّل ثلاث مسؤوليات في وقت واحد؛ موظفًا في بلدية رحيمة، وطالبًا في الثانوية الليلية بالدمام، ومساعدًا لوالده في شؤون الأسرة. تلك التجربة المبكرة صقلت شخصيته وغرست فيه قيمة العمل والاعتماد على النفس.
نشأ في كنف والدين كريمين؛ والده موظف سابق في “مالية القطيف”، وحين تقاعد اضطر الابن إلى ترك الدراسة النهارية، فواصل التعليم الليلي، أما والدته – رحمها الله – فكانت شخصية قوية، شجعته على مواصلة التعليم رغم ضيق الحال، مؤمنة بأن العلم هو الطريق الحقيقي لبناء المستقبل.
على الصعيد الأكاديمي، التحق بجامعة الملك سعود وحصل على البكالوريوس في الجغرافيا عام 1973م، ثم واصل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نال دبلوم الإدارة التعليمية عام 1978م، والماجستير عام 1979م من جامعة أوكلاهوما، ثم الدكتوراه في الإدارة التعليمية عام 1984م من جامعة شمال كولورادو. وقد أسهم هذا المسار العلمي المكثف في صقل أدواته العلمية وربط النظرية بالتطبيق العملي.
بدأ مسيرته المهنية مبكرًا، فعمل مأمور مستودع وأمين صندوق في بلدية رحيمة، ثم تدرج في المواقع الإدارية والتخطيطية داخل وزارة التربية والتعليم، حيث شغل مناصب مهمة، من بينها الإشراف على إدارة التخطيط ورئاسة قسم التحليل الإداري، ثم مديرًا عامًا لإدارة التخطيط. وأسهم من خلال هذه المواقع في تطوير الأداء المؤسسي وإعداد الخطط الاستراتيجية للتعليم بأيدٍ وطنية.
وفي الجانب الأكاديمي، عمل أستاذًا مساعدًا في الإدارة التعليمية بكلية المعلمين بالرياض بين عامي 1984 و2005م، وتولى إدارة مركز البحوث في الكلية بين عامي 1999 و2001م، وأسهم في إعداد وتأهيل كوادر تربوية وإدارية كان لها أثر واضح في المؤسسات التعليمية.
امتد عطاؤه إلى العمل الوطني العام، فكان عضوًا في أول هيئة لحقوق الإنسان بين عامي 2006 و2008م، ثم عضوًا في مجلس الشورى السعودي منذ 28 فبراير 2009م، حيث ساهم في مناقشة السياسات التعليمية والتنموية وأثرى العمل الوطني بخبرته الطويلة ورؤيته المتزنة.
شارك الدكتور الخنيزي في مؤتمرات دولية، وقدّم محاضرات توعوية في مجالات التربية وحقوق الإنسان، وكان ممثلًا لوزارة التعليم في لجان التخطيط داخل المملكة وخارجها. ويؤكد من واقع تجربته أن المسار التعليمي في المملكة يسير في الاتجاه الصحيح، مستشهدًا بفترة إشرافه على إدارة التخطيط حين أُنجزت الخطط التعليمية بكفاءات سعودية وفي مدد زمنية قياسية مقارنة بما كان يُنجز سابقًا عبر فرق تعاقدية.
إن سيرة الدكتور محمد مهدي الخنيزي ليست مجرد سجل للمناصب والشهادات، بل حكاية وطنية وإنسانية لرجل بدأ من أبسط تفاصيل الحياة، وصنع من التحديات طريقًا للعلم والعطاء، ليصبح نموذجًا يُحتذى به في الجمع بين التواضع الشخصي والحكمة الأكاديمية والبصيرة الإدارية وخدمة الوطن والمجتمع.



