مقالات

*مع مطلع عام جديد: فلترة الحياة كفعل وعي لا كفعل قسوة*

 

 قلم /الدكتورة معصومة العبد الرضا

مع بداية كل عامٍ جديد، لا يأتي الزمن بوعدٍ جاهز، بل يمنحنا فرصةً نادرةً لإعادة النظر. فالسنة الجديدة لا تُقاس بعدد أيامها، بل بمدى شجاعتنا في ترتيب ذواتنا داخلها. ليست احتفالًا بالاستمرار، بل دعوةً صامتةً للمراجعة… وللجرأة.

تصفية العلاقات ليست فعلًا عدائيًّا، بل ممارسةٌ فلسفيةٌ ناضجة.

هي إدراكٌ عميقٌ بأن ليس كل من شاركنا مرحلة، كُتب له أن يواصل الرحلة معنا. فبعض الأشخاص كانوا درسًا مؤقتًا، لا رفقةً دائمة، ومحطةً ضرورية، لا وجهةً نهائية.

نودّع البعض لا لأنهم سيئون، بل لأن حضورهم لم يعد صالحًا لنسختنا الجديدة.

ونضع حدودًا حازمةً مع آخرين؛ لأن التساهل المستمر قد يتحوّل إلى شكلٍ خفيٍّ من أذى الذات. فليس كل صمتٍ حكمة، ولا كل تحمّلٍ فضيلة.

ونودّع أولئك الذين مرّوا في حياتنا دون أن يمنحوها حياة.

الذين أخذوا أكثر مما أعطوا، وحضروا بأجسادهم وغابوا بأثرهم.

من لم يدركوا أن العلاقة ليست استنزافًا للروح، بل تبادلًا للمعنى.

فالعطاء ليس فضلًا يُمنح، بل شرطًا أساسيًّا لأيِّ حضورٍ إنسانيٍّ صادق.

ومن لم يمنحنا الحياة بالحياة، لا يملك حق الاستمرار فيها.

أما غير الفاعلين في حياتنا، أولئك الذين يستهلكون الوقت، ويستنزفون الطاقة، ويطفئون المعنى، فإقصاؤهم ليس أنانيةً، بل حفاظًا على الأمن النفسي. فالحياة أثمن من أن تُقضى في تبرير وجود من لا يضيف إليها شيئًا.

السلام الداخلي لا يُمنح، بل يُصان بقراراتٍ واعية، مؤلمةٍ أحيانًا، لكنها ضرورية.

هو نتيجة شجاعة قول «كفى» دون ضجيج، ودون شرحٍ مطوّل، ودون شعورٍ بالذنب. فالنفس التي تُرهقها المجاملات، لا تستطيع أن تزدهر.

في العام الجديد، لسنا بحاجةٍ إلى توسيع دوائرنا، بل إلى تنقيتها.

أن نُبقي من يضيف معنىً لا من يملأ فراغًا،

من يحترم صمتنا لا من يقتات على فوضانا،

ومن يسير معنا لا من يشدّنا إلى الخلف.

طرد بعض الأشخاص من حياتنا ليس قسوةً،

بل إعلانًا هادئًا لبداية مرحلةٍ جديدة:

مرحلةٍ يكون فيها الوعي أعلى من العاطفة،

والسلام أهم من التبرير،

والذات في مكانها الصحيح… دون اعتذار.

كل عامٍ جديد، ونحن أكثر صدقًا مع أنفسنا،

أكثر شجاعةً في الاختيار،

وأقرب إلى سلامٍ داخليٍّ لا يساوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى